أبوظبي و"انتهاء الحرب اليمنية": اختلاف الأجندات السعودية-الإماراتية

17 يونيو 2016
الصورة
تسعى السعودية لتأمين حدودها مع صعدة (أحمد فروان/فرانس برس)
+ الخط -
جاء إعلان وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي، أنور قرقاش، عن نهاية الحرب في اليمن بالنسبة إلى الجنود الإماراتيين، في وقت حساس بالنسبة إلى المشاورات اليمنية، التي تُعقد منذ أسابيع في الكويت برعاية الأمم المتحدة، من دون إحراز أي تقدّم يذكر، في ظل تعنّت ممثلي الحوثيين والرئيس اليمني المخلوع، علي عبدالله صالح. وقال الوزير الإماراتي: "موقفنا اليوم واضح، فالحرب عملياً انتهت لجنودنا ونرصد الترتيبات السياسية، ودورنا الأساسي حالياً لتمكين اليمنيين في المناطق المحررة".
التصريحات الإماراتية ستؤدي إلى إضعاف موقف الشرعية اليمنية، بقيادة الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي، والوفد الممثل له في مشاورات الكويت، خصوصاً أن القوات الإماراتية قامت بدور رئيسي في مساندة القوات السعودية، في التحالف العربي الذي أطلق عمليات "عاصفة الحزم" في مارس/آذار 2015، لا سيما في جنوب اليمن.
وألقى قرقاش، يوم أمس الأول الأربعاء، محاضرة بعنوان "الإمارات والتحالف وأزمة اليمن القرار الضرورة" بحضور ولي عهد أبو ظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، أكد فيها أن عمليتي "عاصفة الحزم" و"استعادة الأمل" قد "حققتا أهدافهما العسكرية بكل جدارة"، مشدداً على جهود القوات الإماراتية في "تخليص المكلا من قبضة القاعدة الإرهابية"، بالإضافة إلى تحرير عدن ومأرب.
ولخص قرقاش الأهداف السياسية للعمليات في اليمن، بثلاثة: "العودة إلى المسار السياسي بين الأطراف اليمنية، وعودة الشرعية إلى السلطة، والرد على التدخّل الإيراني في الشأن العربي". وأكد قرقاش أن "الحرب انتهت اليوم وتم رصد الترتيبات السياسية لتمكين الشرعية من إدارة الخدمات الأساسية وتحسين أدائها، ورصد إرهاب القاعدة المدعوم من الإخوان المسلمين، الذي يستفيد من غياب الدولة لإيجاد إمارة إرهابية في المكلا، التي تم ضربها بشدة في عملية من أنجح العمليات ضد الإرهاب لم تستطع دول كبرى القيام بمثلها".
وكانت وكالة الأنباء الإماراتية "وام" قد تجاهلت هجوم قرقاش على هادي، مثل قول الوزير الإماراتي إن محمد بن زايد "أدرك مبكراً أن الشرعية اليمنية ليست في البقاء بالمنافي والفنادق، إنما داخل اليمن لمواجهة الانقلابيين"، في إشارة مباشرة لهادي.
ويقرأ مراقبون أهداف الإمارات السياسية في اليمن على ثلاثة محاور: مواجهة "الإخوان المسلمين"، ومحاربة الإرهاب، وانفصال الجنوب لأسباب جيواستراتجية، خصوصاً أن الإمارات لم تقطع بشكل كامل مع الرئيس المخلوع، علي عبدالله صالح، مع وجود نجله أحمد في الإمارات، والذي قيل لاحقاً إنه وُضع تحت الإقامة الجبرية، كما أن علاقتها مع إيران لم تكن يوماً بسوء علاقات إيران بالسعودية.
من اللحظة الأولى كان واضحاً أن أبو ظبي دفعت بكل ثقلها في اليمن، لمواجهة حركة "الإخوان المسلمين" هناك، كامتداد لمواجهة الحركة في ليبيا، ومصر، ودول أخرى، بصيغ مباشرة أو غير مباشرة. وتحدث قرقاش بشكل مباشر في محاضرته حول هذه النقطة، عندما اتهم "الإخوان" بأنها تدعم تنظيم القاعدة، الذي يسعى "لإيجاد إمارة إرهابية".
كما اتضحت هذه النقطة بالخلافات بين هادي ورئيس الوزراء اليمني السابق، خالد بحاح، والذي يُوصف على نطاق واسع بأنه مقرّب من الإمارات. الخلاف الذي حُسم بشكل مفاجئ، بتعيين الفريق علي محسن الأحمر، نائباً للرئيس اليمني، وهو المقرب من "التجمّع اليمني للإصلاح" المحسوب على جماعة "الإخوان". وتمت قراءة تعيين الأحمر، باعتبارها موجّهة ضد بحاح، ومن ثم الإمارات، بشكل مباشر.


أما في ما يتعلق بمحاربة الإرهاب، فالمسألة أساسية بالنسبة إلى دولة الإمارات، وهي التي تريد أن ترسخ نفسها كشريك دولي في مواجهة التنظيمات، التي توصف بأنها متطرفة. فقد شاركت قواتها في احتلال أفغانستان في 2001، كما شاركت في الضربات الجوية ضد من يوصفون بالمتشددين في مالي، بالإضافة إلى مشاركة القوات الإماراتية في التحالف الدولي، الذي تقوده الولايات المتحدة، ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في العراق وسورية.
لذا حرصت القوات الإماراتية على توسيع مواجهاتها ضد "القاعدة" في اليمن، وألا تقتصر على مواجهة مليشيات الحوثي وقوات صالح. حتى أن الإمارات تواصلت بشكل منفرد، كما أظهرت تقارير صحافية في أبريل/نيسان الماضي، مع الولايات المتحدة الأميركية، لتطلب دعماً لعملياتها ضد "القاعدة" في المكلا، حتى دخل التحالف العربي ككل، بقيادة السعودية، في مواجهات مع التنظيم في نهاية أبريل/نيسان الماضي.
أما الهدف السياسي الثالث للإمارات، فكان في دعم انفصال اليمن الجنوبي، والذي يقرأه مراقبون باعتباره هدفاً استراتيجياً إماراتياً، لا يقتصر على الانفراد بالهيمنة على جنوب اليمن، ولكنه مهم أيضاً لأبو ظبي، في تنافسها التاريخي مع سلطنة عُمان، خصوصاً أن العلاقات بين الطرفين ليست في أفضل حالاتها، بعد اتهام عُمان، للإمارات، بتأسيس خلية تجسسية في البلاد سنة 2011. من هنا لم تكن الوحدة اليمنية، وحشد اليمنيين من جنوب البلاد لمواجهة مليشيات الحوثي في معاقلها الشمالية، أولوية بالنسبة إلى الإمارات، والتي تقوم بدور سياسي وعسكري كبير في جنوب اليمن.
أما في ما يتعلق بمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، فلا يبدو أن الإمارات تتعامل مع الأمر بالجدية نفسها كالطرف السعودي. فالإمارات ساعدت إيران، في أوقات سابقة، بتجاوز العقوبات الدولية، قبل الاتفاق النووي. كما أن العلاقات الاقتصادية الإماراتية-الإيرانية لم تتأثر بالخلافات السياسية المعلنة.
في السياق نفسه، تبدو الهواجس السعودية في اليمن مختلفة. فمعاقل الحوثيين في منطقة صعدة، تقع على الحدود السعودية، التي دخلت حرباً حدودية مع الحوثيين في عام 2009. كما أن المليشيات، وقوات صالح، تقوم بإطلاق صواريخ باليستية على الأراضي السعودية بشكل متكرر، فالتهديد الحوثي للرياض، مباشر وجدّي.
كما أن مواجهة جماعة "الإخوان المسلمين"، ليست أولوية للسعودية. فالرياض لم تقم أبداً بملاحقات أمنية، لشخصيات محلية سعودية، محسوبة على جماعة "الإخوان"، على الرغم من تصنيف الجماعة كمنظمة "إرهابية" في 2014، في عهد الملك السعودي الراحل، عبدالله بن عبدالعزيز. وفي الموضوع اليمني، قد ترى السعودية في "الإخوان" حليفاً محتملاً، خصوصاً في قراءة تعيين علي محسن الأحمر، كنائب للرئيس اليمني، وهو المقرب من السعودية، وجماعة "الإخوان"، على حد سواء.
أما في ما يتعلق بمواجهة الإرهاب، فلا شك في أن السعودية تعطي الموضوع أهمية قصوى، خصوصاً أن اليمن أصبح ملاذاً للمتهمين بارتكاب أعمال عنف، أو الملاحقين في قضايا أمنية، في السعودية. لكن من الواضح أن هذه الأولوية، لم تهمش مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو الأمر الأساسي في الخلاف السعودي-الأميركي. فبينما ترى الرياض أن السياسات الإيرانية تُشكّل خطراً على المنطقة، والمليشيات المدعومة منها تزعزع استقرار المنطقة، تنظر الولايات المتحدة إلى المنطقة، بمنظار محاربة تنظيمي "داعش" و"القاعدة"، لا غير. ويمكن هنا تلخيص أهداف السعودية الكبرى في اليمن، بحفظ أمن حدودها الجنوبية، ومنع إيران من إيجاد موطئ قدم لها في اليمن، خصوصاً على ضفاف مضيق باب المندب، بالإضافة إلى منع تشكل ظاهرة "مليشيات" في اليمن، على غرار ما يحدث في العراق. لهذا تأتي أهمية دعم حكومة واحدة، ليمن موحّد، لا يقع تحت النفوذ الإيراني بأية حال.

المساهمون