أبعد من الجنائية الدولية

26 يناير 2020
+ الخط -
لا يمكن الاختلاف فلسطينيا حول أهمية إعلان المحكمة الجنائية الدولية في 20 /12 /2019 القاضي بفتح تحقيق شامل في احتمال ارتكاب دولة الاحتلال جرائم حرب بحق الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، في فترة زمانية محددة وفق قواعد المحكمة، لكننا قد نختلف حول تقييم ذلك بين من يصوره كانتصار دبلوماسي وسياسي وقانوني ساحق، وبين من يعتبره إنجازا مهما قد يفتح الباب أمام انتصار فلسطيني مدوّ؛ أو قد يتحول إلى مجرد انتصار إعلامي دون أي انتصار لحق ضحايا الإجرام "الإسرائيلي" وللقضية الفلسطينية ككل، إن لم نتمكن من استثمار هذا الإعلان في المضي قدما في معركة قانونية وسياسية شاملة وواسعة ومنتشرة في كل بقاع الأرض. فبعيداً عن أجواء الاحتفال والابتهاج المتسرعة لا بد من وقفة موضوعية ودقيقة مع الموضوع، كي لا نفاجأ بقرار مغاير لاحقا، أو مماطلة لا نهاية لها في التنفيذ، تحت وقع الضغوط الأميركية، وربما الدولية، الرامية إلى خدمة وحماية الاحتلال كما جرت العادة. وهي مخاوف منطقية تستند إلى تجارب فلسطينية عديدة سابقة، كما تستند إلى آليات ونظم وصلاحيات عمل المحكمة الجنائية، التي يمكن الاطلاع عليها في بعض الأوراق والبحوث والتحليلات التي نشرت مؤخرا من قبل بعض مراكز الدراسات الفلسطينية.

وبالتالي فإن إعلان المحكمة إنجاز مهم، لكنه غير قاطع، بمعنى أنه قابل للتلاشي كمئات القرارات ونتائج لجان التحقيق الدولية التي ضاعت هباء منثورا، نتيجة الدعم الأميركي والدولي اللامحدود للاحتلال وإجرامه من جهة، ونتيجة محدودية وقصور الرؤية النضالية الفلسطينية، لا سيما الرسمية منها. بكل الأحوال وبعيداً الآن عن تعداد الحالات التي طويت وغيبت وبقيت حبيسة الأدراج بفعل قصور الأداء الفلسطيني، علينا محاولة البناء لمشروع نضالي فلسطيني يهدف إلى عزل الاحتلال ومحاصرته شعبيا في جميع أنحاء العالم، وخصوصا المتقدم منه، والضغط شعبيا على المؤسسات الدولية والوطنية الغربية من أجل محاكمة الاحتلال وقادته على جميع الجرائم المرتكبة والتي ترتكب يوميا بحق الشعب الفلسطيني فرديا وجماعيا. فهو مدخل قانوني دولي يمكن الانطلاق منه في معركتنا الدولية في مجابهة مساعي الاحتلال لتجريم نقده ومعارضته في دول العالم الأول، من الولايات المتحدة الأميركية إلى دول الاتحاد الأوروبي، التي باتت تتهم وتقاضي كل خطاب معادٍ أو ناقد لممارسات الاحتلال بمعاداة السامية، والتي تطاول بدورها حركة المقاطعة BDS ونشطاءها عربا كانوا أم أجانب.

كما يمكن الحشد شعبيا في دول العالم المتقدم في أوساط المغتربين الفلسطينيين والعرب، ومطالبتهم بالضغط على الحكومات الديمقراطية في دول إقامتهم بالتعاون مع مواطني هذه الدول، ولا سيما المؤيدين منهم لحقوقنا وقضايانا العادلة، من أجل إعادة تفعيل الولاية القضائية الدولية، وهو ما سوف يمكننا من محاصرة الاحتلال وقادته العسكريين والأمنيين والسياسيين بمئات القضايا، والمحاكمة على مستوى العالم أجمع. طبعا ندرك مدى الصعوبات التي سوف تعترض هذا الطريق، لكن علينا أن ندرك جيداً أننا أمام فرصة لتوسيع وتجذير معركتنا مع الاحتلال، من معركة داخل فلسطين أو داخل بعض المؤسسات الدولية كالمحكمة الجنائية الدولية، إلى معركة شعبية ورسمية شاملة تفضح حقيقة الاحتلال، وتؤكد حقنا وحق جميع الشعوب الحرة في مقاطعة الاحتلال ومعارضته ونقده، بل وحتى مجابهته وبجميع الوسائل القانونية داخل وخارج فلسطين. فمن مصلحة الاحتلال اليوم تحويل الإعلان إلى معركة وحيدة وواضحة ومحددة الزمان والمكان، مما يسهل عليه محاصرته والتلاعب به، بل قد يسهل عليه أيضا الضغط على السلطة الفلسطينية كي تسحب ملف القضية كما حدث في بعض الحالات، في حين تتمثل مصلحتنا الوطنية في تحويلها إلى منصة لمحاصرة الاحتلال ومحاكمته في كل بقعة من بقاع الأرض، تجسيداً لمقولة "لا لإفلات الاحتلال وقادته وعناصره من العقاب عن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب أينما كانوا وبأي زمان كان منذ النكبة وحتى اللحظة".

المساهمون