آثار ليبيا ضحية التشويه والسرقة والقذافي

بنغازي
أنس القنّاشي
13 يونيو 2014
"الآثار ليست سوى مخلّفات استعمارية ومهملات ليست ذات قيمة"، هكذا كان معمر القذافي يصف تاريخ بلاده الذي ناله الإهمال طيلة أربعة عقود من حكمه، الذي نجح في توريث أفكار وقناعات تجاهلت تاريخ ليبيا المليء بالآثار الرومانية والبيزنطية والإسلامية، التي لا تخلو منها مدينة، سواء في الشرق أو الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب.

تعاني الآثار الليبية إهمالاً في الترميم في الوقت الذي لحق بها قدر هائل من التخريب والتعديات والنهب، الذي اتسع مؤخراً، خصوصاً في ظل التوتر الأمني الذي شهدته ليبيا على إثر محاولات اللواء المتقاعد خليفة حفتر الانقلاب على شرعية ثورة 17 فبراير.

"العربي الجديد" زار المواقع الأثرية الليبية، والتقى بالخبراء والباحثين المختصين لتقدير موقف الآثار في ليبيا، كما قام بمحاولة شراء عدد من القطع الأثرية، والتفاصيل في التحقيق التالي.

سرقة الآثار

تواصلنا مع أحد تجار الآثار بالعاصمة الليبية طرابلس، والذي أكد أن لديه عدداً من التحف الفُخّارية اليونانية، مستخرجة من مواقع اثرية يونانية بالمنطقة الشرقية، اشتراها من أحد تجار الآثار ببنغازي، وعرض التاجر علينا "البضاعة"  كما سمّاها؛ للبيع بقيمة ما يعادل حوالي 1500 دولار للقطعة الواحدة، وأضاف أن لديه قطعاً أثرية أخرى تعود للحقبة الرومانية من المنطقة الغربية.

أبدينا مخاوفنا من صعوبة تهريب القطع بعد الشراء إلى الخارج، فردّ علينا التاجر بثقة شديدة "الأمر سهل وبسيط وكثير من التجار يقومون بالتهريب عن طريق علاقات وتعاملات مع موظفي المطارات، لا تخشوا شيئاً كله تحت السيطرة".

أثناء زيارتنا إلى مدينة قورينا الأثرية اليونانية، والتي تقع جوار مدينة شحّات الحالية بشرق ليبيا، فوجئنا بكم التعديات والتخريب الهائل، الذي لحق بآثارها من كتابة على الجدران والأعمدة والتماثيل، ورشّها بالأصباغ واقتلاع بعض الأعمدة الرخامية من أماكنها، وتجمعٍ لمياه الأمطار والسيول داخل الغرف، وإلقاء للقمامة لدرجة تحويل بعض الأسوار والجدران التاريخية لمكبّات النفايات، وتكسير وتحطيم للتماثيل، وبناء لمنازل جديدة داخل حرم المناطق الأثرية، والاستيلاء على الأراضي المصنفة كمواقع أثرية، وغيرها من مظاهر التعديات والتخريب المتعمد.

الوضع السابق الذي وصلت له آثار قورينا المشهورة، دفعنا لسؤال خالد دخيل، رئيس قسم الآثار بمراقبة (إدارة) شحات حول أبرز التحديات التي تواجه الآثار الليبية، فردّ بأسى: "أكبر تهديد يواجه الآثار، هو الزحف العمراني والآلات الثقيلة، وإقامة المخططات السكنية العشوائية والتهريب والإتجار بالآثار، وخلو المواقع الأثرية من المتابعة والحراسة، فضلاً عن الكتابات من قبل الزوار الذين يسطرون ذكرياتهم وأسماءهم بالمواقع الأثرية، بالإضافة إلى ردود أفعال البعض تجاه الآثار، بسبب منعهم من البناء أو صيانة منازلهم الواقعة في حرم المناطق الأثرية. 

ولفت دخيل إلى خطر جديد ومهم يهدد الآثار الليبية يتمثل في التطرف الديني المتمثل في بعض الجماعات التكفيرية المتطرفة التي ترى، في المناطق الأثرية نوعاً من أنواع معابد المشركين، التي يجب هدمها والقضاء عليها مستدلاً بما حدث لكنسية سوسه.

ويتفق أحمد الحاسي، أستاذ الآثار وإدارة التراث بجامعة عمر المختار مع رأي خالد دخيل، في أن التدخل البشري يعد التهديد الأخطر للآثار الليبية في ظل الانفلات الأمني، وقال: "يأخذ التدخل أشكالاً مختلفة، منها الهدم والتجريف والبناء والسرقة والنهب، وإعادة الاستخدام والتخريب المتعمد بالأصباغ أو عبر إلقاء القمامة".

وانتقد الحاسي إدارة المنظومة المتعلقة بالآثار قائلاً "الإشراف على التراث والآثار في ليبيا تتولاه عدة جهات، ولكن تعد مصلحة الآثار التي يزيد عمرها عن 100 عام هي صاحبة الاختصاص الرئيسي، حيث تأسست عام 1853، ولم تستطع تطوير ذاتها، وبالتالي لم تعد قادرة على مواجهة التحديات المتزايدة. كما أن القانون والتشريعات القاصرة والعاجزة عن حماية الآثار، تمثل التحدي والعقبة الكبيرة أمام المهتمين بحمايتها، أضف إلى ذلك الفجوة التي صارت تتسع بين المواطن والآثار والتراث، وهو ما تتحمل جزءاً منه مصلحة الآثار التي لم تبتكر آليات لربط المواطن بأهدافها وخلق شراكة بينها وبينه".

جرتان رومانيتان يعرضهما تاجر آثار ليبي للبيع 



التخريب والتعديات

"الإهمال والسرقة والتشويه الذي تعاني منه آثار قورينا هو نفسه بل أخطر منه في واحة الجغبوب"، يقول إدريس التواتي، باحث متخصص في شؤون الآثار بواحة الجغبوب الواقعة وسط صحراء جنوب شرق ليبيا.
ويكشف التواتي عن ضياع وتخريب العديد من المومياوات والتحف، قائلاً لـ"العربي الجديد": "آثار الجغبوب تواجه تحديات كبيرة، لكون أغلب المواقع الأثرية تقع على الشريط الحدودي بين مصر وليبيا، مما يجعل مسؤولية الحماية صعبة واستثنائية". وأضاف أن حمايتها مسؤولية مشتركة تقع على عاتق حرس الحدود، ومكتب آثار الجغبوب، لكن لا يوجد تنسيق بين الطرفين في ظل الظروف الامنية المتدهورة، مما تسبب في اعتداءات متكررة، تكاد تكون ممنهجة بما أدى إلى ضياع وتخريب العديد من المومياوات والتحف الأثرية واندثارها.

وأضاف التواتي أن قلة الوعي لدى المواطنين ونظرة الكثير منهم للآثار باعتبارها كنزاً، تنطبق عليه أحكام الكنز في الشريعة الإسلامية، أمرٌ يتطلب موقفاً وتحركاً عاجلاً من وزارة الأوقاف ودار الإفتاء، حتى لا يستمر نهب الآثار وتهريبها للخارج من هذا المنطلق.

وفي نفس السياق، وصف الدكتور أحمد حسين، أستاذ علم الآثار بكلية الآثار والسياحة بجامعة عمر المختار، واقع الآثار الليبية بالمرير قائلاً : "الأمر وصل إلى درجة أن كثيراً من المواقع التاريخية والآثرية أزيلت تماماً عن وجه الأرض، وهو ما دفعنا إلى المطالبة بتخصيص ميزانية طوارئ لحماية المواقع كإجراء ضروري، لكن من دون جدوى".

ووصف مصلحة الآثار ودورها بالكيان الميت سريرياً، قائلًا "المسؤولون (يقتاتون) من الميزانية أكثر مما يصرفونها على صيانة وحماية الموروث الليبي، كما أنهم غير مؤهلين لإدارة هذه المؤسسة، ويتسابقون على الدورات خارج البلاد مهملين تطوير المؤسسة".

أما الدكتور محمد الحوات رئيس قسم الآثار الكلاسيكية بجامعة الخُمس (شرق طرابلس)، فقال إنه لا يوجد حالياً أي بعثة أثرية تقوم بأي حفريات جديدة، ولا حتى أي إكمال لأعمالها القديمة.

ووافق الآراء السابقة، في أن مصلحة الآثار ليس لديها الإمكانيات التي تمكنها من الوقوف في وجه المتعدين على الآثار، سواء في شحات أو في منطقة الجنوب وجبال أكاكوس، قائلاً: "المنطقتان وقعت بهما تعديات كبيرة، حيث أن شحات شهدت تعدي السكان على المناطق الأثرية وقاموا بتسوية بعض قطع الأراضي التابعة للمدينة الأثرية بالجرّافات، بهدف البناء عليها، أما في الجنوب وخصوصاً في منطقة جبال أكاكوس فقد تم تشويه النقوش والرسومات الصخرية بكتابات تذكارية، من قبل بعض المخربين والعابثين".   

اللافت للنظر بحسب المهتمين بالآثار في ليبيا، أن القانون الليبي لحماية الآثار الذي صدر في 3 مارس/آذار 1983 به العديد من الثغرات التي تسهم في رواج عمليات تهريب الآثار، فضلاً عن أن ليبيا لم يكن في دساتيرها أي مواد تتعلق بحماية الآثار والتراث دستورياً.

وترجع آثار ليبيا إلى عهود ما قبل التاريخ والفترة الإسلامية، بدءاً بالعصر الحجري القديم والوسيط والحديث، حيث تحتضن أراضيها مختلف العصور الأرضوانية التي تمتد إلى أكثر من مليون سنة، والآشورية والموسيرية والعتيرية والرعوية، كما تؤرخ لفترات حكم الرومان واليونان والفينيقيين والفرس.

نقطة مضيئة

"من قلب الوضع المزري الذي تعاني منه الآثار الليبية، ظهرت نقطة مضيئة بدت في جهود تطوعية لشباب ليبي يرفض تدمير تاريخ بلاده"، يقول خالد دخيل رئيس قسم الآثار الغارقة بمراقبة (إدارة) شحات والذي كشف لــ"العربي الجديد"  أن السكان الذين تقع الآثار في أراضيهم ومناطقهم، هم من حافظ على الآثار التي لم تتعرض للتخريب بعد.

وأضاف دخيل "الشباب المتطوع هم من يقوم بأعمال الصيانة والحراسة والنظافة، ومناقشة قضايا الآثار والوقوف على حالتها في ظل غياب تام للمسؤولين والدولة".

من جهته، أوضح الدكتور محمد الحوات رئيس قسم الاثار الكلاسيكية بجامعة الخُمس (شرق طرابلس) في تصريحات لــ"العربي الجديد" أن الكثير من الجهات وعدد من أساتذة الجامعات المتخصصين في علوم الآثار ينظمون بشكل دوري محاضرات ولقاءات عن أهمية وسبل الحفاظ على التراث لخلق وعي لدى عامة الناس بضرورة صون وحماية الآثار.

أما أستاذ الآثار وإدارة التراث بجامعة عمر المختار أحمد الحاسي الذي قاد حملة عبر الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، من أجل تضمين مواد دستورية تضمن حماية الآثار، فأكد أن لجنة كتابة الدستور وضعت محور "دسترة حماية التراث والآثار الليبية" ضمن المبادئ التوجيهية لعملها، مما يعد نجاحاً لحملتهم.

وأضاف الحاسي لــ"العربي الجديد" أن تجربة فريق التعريف بالآثار في شحات والمتمثلة في زيارة المدارس لتعريف الطلبة بالآثار وأهميتها باستخدام عروض مرئية ودعوة الطلاب لزيارة الآثار، وتقديم شروح لهم بالمواقع الأثرية تعد تجربة ناجحة، رغم كونها جهداً تطوعياً غير مدعوم من أي جهة رسمية،  قائلاً "كثير من الخبراء يرى أن جهود مؤسسات المجتمع المدني في حماية الآثار، هي شريان الحياة الوحيد المتبقي لحماية الموروث مما يلحق به من تعديات".

جانب من الاثار التي أرسلها التاجر لمحرر "العربي الجديد" 


تغيير القانون هو الحل

يرى رئيس قسم الآثار الغارقة بمراقبة (إدارة) شحات خالد دخيل، أن حل المشكلة يبدأ من رفع وعي المواطن الليبي بأهمية الموروث الحضاري، والتعاون مع المواطنين لمنع أعمال التخريب والتدمير، والبناء العشوائي وهدم الآثار.

وطالب بإصدار قانون قوي وعقوبات صارمة بحق من يتعدى على الآثار وألا يتم الاكتفاء بالمخالفة فقط، كما هو حادث الآن قائلاً "لابد أن يكون التعدي على الآثار جرماً وجناية بدلاً من كونه مخالفة وفقاً للقانون الحالي".

واقترح تشكيل محكمة متخصصة للآثار، لها قاضٍ متخصص وتكليف شرطة متخصصة بحماية الآثار، منتقداً خضوع الآثار لشرطة السياحة التابعة لوزارة السياحة من الناحية الأمنية، بينما الآثار تتبع وزارة الثقافة من الناحية الادارية، مما خلق تداخلاً في الاختصاصات والتكليفات أثر سلباً على طبيعة العمل.

واتفق الدكتور أحمد حسين، أستاذ علم الاثار بجامعة عمر المختار مع رأي دخيل في ضرورة تغيير نصوص العقوبات، قائلاً "نصوص القانون ضعيفة، ولا توجد جدية في تطبيقها رغم ضعفها، فضلاً عن عدم وجود القوة والإرادة والحماية القانونية لدى الجهات الموكل إليها حماية الموروث الثقافي في ليبيا، والمتمثلة في الشرطة السياحية، وهو ما يقتضي حل الأمر وحماية آثار ليبيا، قبل أن نتحسّر ونتذكر يوم كان لليبيا آثار".