"ووتش من": العالم في مواجهة الرجل الأبيض

09 ديسمبر 2019
الصورة
العالم ليس مستعداً لبطل خارق أسود (Imdb)
+ الخط -
ما زلنا نترقب الحلقات الأخيرة من سلسلة "ووتش من" Watchmen التي تبثها شبكة HBO. المسلسل يمكن اعتباره بداية لسلسلة قد تنال شهرة تشابه شهرة لعبة العروش بذات الشبكة، خصوصاً أن "ووتش من" تمتلك تاريخاً هاماً في عالم الكوميك بوصفها واحدة من العلامات الفارقة، إذ يقال عن مؤلفها آلان مور، صاحب "عصبة الرجال المميزين" و"في فور فانديتا" أنه "كتب رواية صادف أنها تحوي رسوماً"، وذلك بسبب إتقان بنائها والمفاهيم الجديدة التي قدمتها إلى عوالم الأبطال الخارقين. 

كتب مور "ووتش من" بين عامي 1986 و1987، لصالح دي سي كوميكس، في محاولة لتقديم صورة جديدة من الأبطال الخارقين، الذين نراهم في السلسلة بوصفهم أناساً عاديين قرروا وضع أقنعة في الأربعينيات والخمسينيات، لتقاتل الفساد المستشريّ في البلاد التي تلتهمها حرب فيتنام، التي أنهاها دكتور مانهاتن، المهندس الذي تعرض لحادث طبي حوّله لما يشبه الإله الأزرق. ظهر عام 2009 الفيلم المقتبس من السلسلة من إخراج زاك سنايدر الذي تشبث بحرفية الكوميك إلى حد أن اللقطات في الفيلم تتطابق مع الكتاب المصور. وهذا العام مع ظهور المسلسل الذي تدور أحداثه عام 2019 ندخل في عوالم جديدة، فيتنام فيها ولاية أميركيّة، والشرطة ترتدي الأقنعة، ودكتور منهاتن معتزل في المريخ.

قبل الخوض في المسلسل، لا بد من الإشارة إلى أهمية "ووتش من" عند صدروه، إذ يعتبره البعض رائعة مور التي غيرت شكل الكتب المصورة وطبيعة تكوين الحكايات فيها ومدى تعقيدها، بل وصلت أهميتها إلى تغيير أسلوب قراءة الكوميك، فمانهاتن مثلاً يرى الزمن بوصفه دائرياً يحدث كله في ذات الوقت، وهذا ما نراه في الكوميك عبر أسلوب ترتيب الصور وظهور مانهاتن فيها.

كما أن الكوميك يحوي ملاحق متخيّلة من أعمال أخرى، كقصاصات الجرائد، والتقارير الطبيّة وغيرها. تدور أحداث المسلسل الذي بثت منه إلى الآن سبع حلقات، بعد أحداث الفيلم والكوميك، فالشرطة يرتدون أقنعة، أمام "الأعداء" الذي يمكن وصفهم ببساطة بأنهم "المتعصبون البيض" الذين كانوا البداية ضمن تنظيم الـKKK (كو كلوكس كلان) وارتكبوا مجزرة في بدايات القرن العشرين، ثم تحولوا إلى منظمة سريّة اسمها السايكلوبس تريد السيطرة على العقول ونشر أعمال الشغب لاستهداف السود. الأهم، أن د. مانهاتن ليس موجوداً، بصورة أدق لا نعلم حقيقة إن كان على المريخ.

لن نخوض في أحداث المسلسل أو شرح رموزه الغنية والتاريخ البديل الذي يقدمه، لكن سنركز على قراءة الوضع السياسي الراهن عبره، خصوصاً أنه يستهدف التفوق الأبيض، بل يمكن القول إن رسالة المسلسل تُختزل بأنه يجب قتل كل البيض العنصريين، لأن خراب العالم ناتج عنهم، هم يحيكون مؤامرات لتدمير العالم حرفياً وتقليب الناس بعضها على بعض باستخدام تكنولوجيا التحكم بالدماغ، والاختبارات العلميّة لخلق بطل خارق يقارع مانهاتن.

يحيلنا المسلسل أيضاً إلى "القناع"، وأساليب استخدامه والخوف الذي تعيشه الشرطة، ما أدى إلى تقنعهم جميعاً حرصاً على حيوات عائلاتهم. لكن ما تجب الإشارة إليه أن المسلسل لا يتعاطف مع الشرطة، بل يقدم تخيلاً مختلفاً لطبيعة القوى السياسية التي تحكم سلوكهم، إذ تحول أفرادها إلى الهدف الأول لـ"البيض"، مع ذلك هم مقيدون من القيادات التي تتحكم بهم والتي تسلل "البيض" إليها، فالتاريخ البديل الذي يقدمه المسلسل تظهر فيه الشرطة كجهاز يتحرك أحياناً خارج القانون، مع ذلك لا يمتلك أفراده حق حمل السلاح طوال الوقت، وبالكاد يضمنون حياتهم. هذه العلاقة مع القناع ولون البشر تظهر في مفهوم البطل الخارق، فـ"العدالة المقنّعة"، أول من حارب لأجل الحق، كان شرطياً أسود، وتعرّض لعنف عنصريّ، إثر ذلك قرر وضع القناع، لكنه لوّن مكان عينيه بالأبيض، فالعالم ليس مستعداً لبطل خارق أسود حينها، وهذا ما يحيلنا إلى سياسات الآن، وأشكال كتابة التاريخ التي تختفي فيها الأقليات لينال المجد "البيض" أو أصحاب السلطة الذين تتضح حكاياتهم في المسلسل عبر الأفلام والإعلانات التي تظهر في عوالمه.

لم ينته الموسم الأول من المسلسل بعد، لكنه يعد بانعطافات في الحبكة تشابه تلك التي نراها في الفيلم والكوميك، خصوصاً أن المسلسل يمتلك أساطيره وحكاياته الخاصة التي تقدم صورة مبالغاً بها عما يشهده العالم الآن، من ناحية أشكال الاستعمار الحديث، والعلاقة مع الفضاء الخارجي، والتجارب العلميّة وأساليب البروباغندا والجماعات الإرهابيّة. الأهم، أن مور يرفض أن تكون له أي علاقة بأي منتج مقتبس عن الكوميك، كالفيلم الذي لا نرى اسمه فيه، وإلى جانب المسلسل والمنتجات الأخرى المرتبطة بالكوميك الذي أنجزه وحوله إلى واحد من أشهر كتاب القصص المصورة، وربما يأتي هذا لأنه لا يمتلك حقوق العمل بالتالي لا ينال ريعاً ماديّاً منه.