"مهرجان كرامة ـ بيروت 4": المرأة أساساً وحقوق الإنسان حاضرة أيضاً

01 يوليو 2019
الصورة
سؤدد كعدان: الفرد ومآزقه (فيسبوك)
يستمرّ "مهرجان كرامة ـ بيروت لأفلام حقوق الإنسان" في إغناء المشهد السينمائي اللبناني بعناوين مُثيرة للنقاش. اختير للدورة الرابعة، المنطلقة مساء اليوم الاثنين (1 يوليو/ تموز 2019)، عنوان "تكلّم معها". لن يكون العنوان إحالة إلى فيلم الإسبانيّ بيدرو ألمودوفار ("تكلّم معها"، 2002)، الغائص في تفاصيل إنسانية فردية بحتة، تنبثق من صدمة الانكسار أمام غيبوبة مطلقة، فيُصبح التواصل معبرًا إلى داخل ذاتيّ، وتعرية لمخبّأ. رغم هذا، يبقى العنوان جاذبًا: إنّه دعوة إلى التواصل مع المرأة، الذي (التواصل) يعتبر الكلمة ركيزة أساسية للتفاهم والنقاش والانفتاح والمعرفة. والصورة هنا رديف للكلمة، فالأفلام مرايا تعكس وقائع وحكايات، تصبّ كلّها في ثنائية حقوق الإنسان (الهدف الرئيسي للمهرجان) والمرأة (شعار الدورة الـ4).

"مهرجان كرامة ـ بيروت"، المعنيّ بأسئلة حقوقية تعاينها السينما في أنحاء العالم، يختار المرأة محورًا لدورةٍ مفتوحةٍ على عيشها وتحدّياتها ومواقعها وآلامها ورغباتها، من دون تناسي النواة الأساسية، المتعلّقة بـ"حقوق الإنسان" عامة. فالدورة هذه، المنتهية في 5 يوليو/ تموز 2019، تعرض 24 فيلمًا في صالة "متروبوليس سينما" (الأشرفية، بيروت)، وتكشف جوانب من أحوال أفراد يواجهون مطبّاتٍ وتحدّيات، كما من أحوال بيئات وجماعات، وتحوّلاتها.

رغم قلّة الأفلام الروائية الطويلة (3 فقط)، إلا أن كلّ واحد منها يعكس شيئًا من قسوة العيش في بيئاتٍ تواجه تحدّيات البقاء والمواجهة. والتحدّيات تتمثّل بحربٍ ضد شعبٍ وبلدٍ واجتماع، وإنْ تظهر الحرب في مسالك أفراد وعلاقاتهم وانفعالاتهم ومخاوفهم وتساؤلاتهم، أو في المناخ الدرامي العام، فتبقى (الحرب) في خلفية الصورة وليس أمامها، فالفرد أهم، ومصاعب عيشه أهم، وأسئلته أهم؛ وهذا ما تصنعه سؤدد كعدان في "يوم أضعت ظلّي" (سورية ولبنان وقطر وفرنسا، 2018)، المعروض في ختام الدورة الـ4 هذه ("العربي الجديد"، 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2018). أو تتمثّل بمواجهةِ تشدّدٍ ديني يُفكِّك عائلة، فيُعيد موت الابن بناءها وإنْ بهشاشة معقودة على بحثٍ سينمائي في مسار بيئة وهواجسها، وتناقضات ناسها وأفكارهم، كما في "فتوى" (تونس وبلجيكا، 2018) لمحمود بن محمود، المعروض مساء 2 يوليو/تموز 2019. أو تتمثّل بانعدام أمانٍ اجتماعي واقتصادي، جرّاء تنامي الفقر، وما يُسببّه العوز من أحوالٍ مؤلمة وقاسية، كما في "بين بحرين" (مصر، 2019) لأنس طلبة، المعروض في الافتتاح.



وإذْ تُشكِّل المرأة مشتركًا أساسيًا بين الأفلام الثلاثة هذه، لكونها شخصية رئيسية أو أساسية في السياقات الدرامية، ما يجعل الأفلام نموذجًا لثنائية "حقوق الإنسان" و"أسئلة المرأة وتحدّياتها"، علمًا أنّ واحدًا منها لمخرجة؛ فإنّ "ساعة التحرير دقّت" (المملكة المتحدة ولبنان وفرنسا، 1974) للّبنانية هيني سرور، يستكمل هذا النموذج، ويستعيد ـ في الوقت نفسه ـ لحظة سينمائية لبنانية عربية، تبقى انعكاسًا لحراكٍ يجعل الكاميرا أداة توثيق ومواجهة. وإذْ تُنجز سرور فيلمها هذا، انسجامًا مع التزامها الثقافي والإنساني والأخلاقي إزاء أحوال الجغرافيا العربية ومجتمعاتها المنتفضة أو المتبدّلة أو المُقيمة في غليانٍ متنوّع الأشكال، فإنّ "ساعة التحرير دقّت"، المشارك في برنامج "أسبوع النقد" في الدورة الـ27 (9 ـ 24 مايو/أيار 1974) لمهرجان "كانّ" السينمائي، غير مكتفٍ بتوثيق مواجهة طغيان الاستعمار، المؤدّية إلى تحرير أرض وبيئة واجتماع، في ما يُعرف حينها بالمنطقة المحرّرة في إقليم ظُفار/سلطنة عُمان، لانهماكه أيضًا في توثيق أحوال المرأة وموقعها ومكانتها في "الثورة"، ليُصبح الفيلم "الوثيقة الوحيدة في العالم المُصوَّرة في تلك المنطقة".

وإذْ يكتسب عرض "ساعة التحرير دقّت" في "مهرجان كرامة ـ بيروت" (9،30 مساء 3 يوليو/تموز 2019) ميزة استعادة تجربة سينمائية، تمزج الحسّ الإنساني بالموقف الأخلاقي والفكر السياسي، وتعكس حيوية اشتغال سينمائي لبناني، عشية اندلاع الحرب الأهلية (1975 ـ 1990)؛ فإنّ للفيلم أهميته المتوافقة والخطّ العام لـ"مهرجان كرامة ـ بيروت". فبالإضافة إلى اهتمامها بالثورة، تنشغل هيني سرور بواقع المرأة وهواجسها ورغباتها، وتفاصيل مشاركتها في همّ جماعيّ. 

أما مايا منيّر، فتختار الطائفة المندائيّة لتعاين أحوالها وانتقالاتها وارتباطها باجتماعٍ ومكانٍ، تجد نفسها مضطرة إلى مغادرتهما لاحقًا بسبب تضييق ديني أو حروبٍ وتشدّد. ففي "بيت النهرين" (سورية، 2018)، تتوغّل منيّر في تفاصيل تلك الطائفة، عبر شخصية سلام الزهيري وأفراد عائلته (زوجته هناء وأولادهما الـ3، نورا وأنور ويوهان)، هو المنجذب إلى فنّ التماثيل الطينية، والمنتمي إلى الطائفة بالمعنى الديني الإيماني، في مقابل ابنته المختلفة عنه في علاقتها بالدين والإيمان والمجتمع. ما تفعله المخرجة الشابّة، في فيلمها الوثائقي هذا (6 مساء 5 يوليو/تموز 2019)، معقودٌ على متابعة بصرية لسيرة العائلة المنتقلة من العراق إلى سورية، ولشكل العلاقات القائمة بينهم ومضمونها، ومعنى الهجرة واللجوء، وأسئلة الإيمان والانتماء الديني والالتزام الطائفي، بالإضافة إلى الفن المنبثق من موروث تاريخي غنيّ، متأتٍ من زمن بابل ("العربي الجديد"، 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2018).