"مكسورات الخاطر": عن دور التلفزيون والتربية في تعنيف عربيات الغرب

27 يوليو 2020
الصورة
تتوارث الأجيال مفهوم "استعباد المرأة" (Getty)

من المدهش والمثير أن يقابل المرء بعض الشبان العرب الذين ولدوا وكبروا في أوروبا، وظلوا على حواف قشور ثقافية واجتماعية عربية وغربية. إذ يظل بعضهم أسير تقاليد ما قبل ولادة أبويه في الدول الأصلية، فيتوارثون مفهوم "الزوجة المملوكة".

ثقافة الغرب بالتأكيد ليست خالية من عنف ضد النساء، وتحت مسمى "جرائم غيرة" تُقتل بعضهن، حتى في إسكندينافيا، لكن المجتمع لا يقف مطبطباً وصامتاً ومبرراً، كما تفعل للأسف عصبية الأسرة في صفوفنا.

وتناول ما خلف جدران بعض عرب أوروبا ليس ترفاً، وبالأخص عند الحديث عن عمق الموروثات المُسخفة لقيمة السيدة العربية، التي تواجه سهام ظلم مزدوج، في الشارع وفي البيت. مثلاً، يجلس شيخ أمام زوج عربي يذكره: في ديننا يا ابني الزوجة ليست ملزمة بإطعامك لتبرير الطلاق. أمام جملة الشيخ لا جواب سوى: لم أكن أعرف.

وما أن يُغلق الباب خلف "الشيخ الوسيط" حتى يهرع العقل المريض إلى ترداد: "هذا كلام هراء".

ولعله، وتحت عنوان "التسلية"، كبر الطفل الشاب أمام شاشة عربية، في سكناه الأوروبي، امتص من مسلسل "باب الحارة" وضاعة قيمة "الحرمة".

قبل 11 سنة، عشت  في رام الله تجربة لا تمحى من الذاكرة. في مقهى أبو جورج، بشارع رُكب، المفترض أنه ملتقى مثقفين وكتاباً وصحافيين، كانت تطوى أمامي العقول لمتابعة "باب الحارة"، ويعلو صوت النادل بتقليد سخيف للهجة الشامية عن "الحرمة" (السيدة)، وهو يوزع المشروبات على العقول "المثقفة" التي طويت، مرخية شفاه البلاهة أمام المسلسل.

ليس وحده "باب الحارة" من فرض صورة "سي السيد"، بنمطية وازدراء قيمة ومكانة العربيات، وامتصاص الأبناء لما وجب أن تكون عليه قيمتهن، أمام "الرجال" شامياً أو "الدكر" مصرياً.

وفي "مرايا" ياسر العظمة، الساخرة، سياسة واجتماعا وثقافة، من أمراض الطبقية والعنصرية والتمييز، ترسخت صورة نمطية عن "مكسورات الخاطر" في عقول لم تفقه مقصد السخرية.

وفي انتشار عبارة  "مللت زوجتي" في بعض مغترباتنا الأوروبية: طلاق وتذكرة إلى المغرب "للإتيان بزوجة جديدة مغمضة"، والوصف الأخير باح به من كان لي صديقا، وظن أنه يحضر "جارية".

سافر أحدهم إلى بعلبك في لبنان للبحث عن "مغمضة"، سأله أبوها: وماذا تفعل في الدنمارك؟ ارتبك الشاب: عندي نقود كثيرة، وسيارة.. كان الأب يعرف أن "العريس" يعيش على مساعدات شهرية.. فما كان منه إلا أن قال أمام "الجاهة": ليس عندنا عروس.

يشعر بعض هؤلاء الرجال بضجر التذكير أن الإسلام، على سبيل المثال، نهى عن اعتبار الزوجة "خدامة" و"زوجة للعشيرة"، أو "جاهزة دائما لتلبية الرغبة الحيوانية للاغتصاب".

وليس غريبا أن يقلب شفتيه حين ذكره الشيخ بمعنى المودة والرحمة، وكيف يجب أن يكون مع زوجته كمسلم، ليتمتم بعد مغادرة الشيخ:" كلامه هراء"، مهرولاً إلى سيرة التعنيف النفسي الذي كبر في داخله، رغم أنه محاط بأصدقاء أوروبيين متزوجين.

 شيزوفرينيا الغربة عن "مكسورات الخاطر" مرعبة في انفصاماتها بين الدار والشارع؛ يبتسم لزوجة الجار والصديق، وربما صديقة زوجته، وحين يستدير إلى سكناه، يستحضر قطب الحاجبين و"بوز" الاسترجال.

نعم، بصمت نراقب أمراضنا... وبصمت نمارس عنصرية واستهزاء وتنمرا وتجبرا وشعورا بالتملك... فبعضهم في الغربة يرى تشرد أطفال ودمار بيوت وفقدان مستقبل لدى عرب مثله، لكنه، وبعد أن يطوي سجادة الصلاة يدلق على طاولة السفرة كل العقد النفسية أمام صدمة الزوجة والأطفال، فملح الطعام لم يكن على "مزاج الرجولة"... والحقيقة لا علاقة للملح بالقصة بل بتوكيد ما في الدواخل من أمراض قراءة الزوجة كـ"ماكينة مُستعبدة".