"مقابر الفقراء"... تدهور أحوال المستشفيات الجامعية في مصر

14 يناير 2020
الصورة
شكاوى المرضى بالآلاف يومياً (Getty)
+ الخط -

الإهمال في المستشفيات الجامعية المصرية لا يقلّ خطورة عن الإهمال في المستشفيات الحكومية، ما يؤدي إلى خسارة عدد كبير من المرضى حياتهم، أو تدهور أوضاعهم الصحية.

تعاني المستشفيات الجامعية في مصر، وعددها 96 مستشفى منتشرة في المحافظات، وتتبع وزارة التعليم العالي، الكثير من المشاكل، من بينها تهالك في أجهزتها الطبية، وبنيتها التحتية، من صرف صحي وكهرباء، كما أنّ مبانيها قديمة آيلة للسقوط فوق رؤوس المرضى، ومكيفات الهواء فيها غير صالحة للاستخدام، بالإضافة إلى النقص في عدد الأسرّة، كما تعاني نقصاً شديداً في الأطباء، حتى باتت توصف بأنّها "مقبرة الفقراء" في البلاد. وكان الإقبال المتزايد على المستشفيات الجامعية، لعدم ثقة المرضى بالمستشفيات الحكومية العامة، قد زاد العبء عليها، فباتت تعاني من كلّ تلك المشاكل.

يكشف مصدر مسؤول أنّ وزير التعليم العالي، خالد عبد الغفار، عقد اجتماعاً بمقر المجلس الأعلى للجامعات بجامعة "القاهرة"، ناقش الأزمات المالية التي تعاني منها المستشفيات الجامعية وقلة التمويل من جانب الحكومة، مشيراً إلى أنّ تلك المستشفيات التي تتبع للوزارة تعاني من نقص في الدواء والمستلزمات الطبية اللازمة للعلاج، وهو ما تسبب في رفض عشرات الحالات المرضية الخطيرة من الدخول إلى تلك المستشفيات لتلقي العلاج، والتي ربما تؤدي إلى الوفاة، بالإضافة إلى الأخطاء الطبية الشائعة، وعدم توافر أطباء لاهتمامهم بالعيادات الخاصة والمستشفيات الاستثمارية التي تدرّ عليهم أموالاً، بخلاف المستشفيات الجامعية.

يضيف المصدر - الذي فضل عدم نشر اسمه - أنّ شكاوى المرضى بالآلاف يومياً، نتيجة الخدمة غير اللائقة، فضلاً عن أزمة نقص الدواء التي تعاني منها المستشفيات الجامعية، الأمر الذي يضطر بعض المرضى إلى شراء العلاج من الخارج، كما أصبحت تلك المستشفيات عاجزة عن استيعاب أعداد المرضى المتزايدة يومياً بسبب العجز في الأجهزة والمعدات وأعداد الأطباء والممرضات، خصوصاً أن معظم من يلجأون إلى المستشفيات العامة والجامعية هم من الفقراء، وأصبحت تلك المستشفيات مقبرة لهم، إذ تؤجل العمليات الجراحية لعدم وجود تجهيزات طبية.



يواجه طلاب كليات الطب أزمات كثيرة ومتنوعة داخل تلك المستشفيات، فلا تدريب جيداً، ولا إمكانيات تدريس مناسبة ولا نظام تعليمياً كافياً لتخريج طبيب مميز يكون مُلمّاً بآخر التطورات في مجال الطب، الذي يشهد تغييرات كبيرة كلّ يوم حول العالم. وحتى بعد التخرج، يصطدمون بالعمل في مستشفيات غير مؤهلة وبإمكانيات ضعيفة جداً، وذلك بحسب شهادات لطلاب وخريجين. يؤكد الطالب "ع. م."، بكلية طب القصر العيني بجامعة "القاهرة"، أن فحوصهم العملية التي يطبقونها على المرضى تجري في الغالب من دون إشراف حقيقي من أساتذة الكلية، ما يعني إهدار الجهد والوقت، والإضرار بالمرضى الذين يُتركون مثل "اللعبة في يد الطفل". يضيف طالب آخر في الكلية نفسها أنّ أسلوب الدراسة بالكلية قديم، لا يتناسب مع التطور الذي يشهده مجال الطب في العالم، مؤكداً أنّ الأساتذة يقومون بالشرح للطلاب على حالات حرجة لمرضى. ويسأل: "كيف لي كطالب أن أركز على مثل تلك الحالات، بينما يصرخ مريض أمامي من شدة الألم، خصوصاً في الحالات الصعبة". يقول الطالب محمد النحاس، من كلية طب جامعة "بنها"، إنّ المعامل (المختبرات) في حاجة إلى تطوير شامل. ويضطر مع زملائه إلى اللجوء لشبكة الإنترنت لمعرفة الجديد، موضحاً أنّ المعامل المتوافرة تفتقر إلى القدر الكافي من التطور التكنولوجي. يشير إلى أنّ طالب الامتياز من المفترض أن يعمل تحت يد طبيب خبير في المستشفى، لكنّ هذا لا يحدث، مشدداً على أنّ طالب الطبّ في مصر يتعرض للظلم والضغوط منذ دراسته في الكلية، وعدم تلقيه التدريب الكافي فيها، وصولاً إلى تخرجه وعمله في مستشفيات غير مجهزة، لا تتوفر فيها إمكانات كافية.

ويعد مستشفى "أبو الريش للأطفال" الذي يتبع لجامعة "القاهرة" من أكثر المستشفيات استقطاباً للاستياء والغضب الشديدين من المرضى الوافدين إليه من مختلف قرى وأرياف ومدن المحافظات المصرية، سواء الوجه القبلي أو البحري، كونه مستشفى متخصصاً في علاج الأطفال، خصوصاً الأمراض والحالات الطبية النادرة. ويشهد قسم الاستقبال بالمستشفى دخول مئات الحالات من الأطفال يومياً رفقة ذويهم، ما يؤدي إلى وقوع مناوشات بين الأهالي والموظفين وأفراد الأمن والأطباء أحياناً، فضلاً عن طول قوائم انتظار المرضى لإجراء العمليات الجراحية لأبنائهم، الأمر الذي أدى إلى قيام عشرات من أسر المرضى ومرافقيهم بافتراش الطرقات.



"العربي الجديد" التقى مع بعض الأهالي في المستشفى. يؤكد أحمد علي، وهو من محافظة الأقصر، بصعيد مصر، أنه رُزق بطفل لديه عيوب متعددة في مجرى البول، و"نصحني البعض بالتوجه إلى مستشفى أبو الريش للأطفال، ومنذ 6 أشهر أتردد على المستشفى بصحبة زوجتي وابني المريض لإجراء العملية. خلال تلك الفترة أنفقت مصاريف بالجملة، ما بين سفر بالقطار وإقامة باللوكندات، وكشوف طبية عند أحد الأطباء الذي يتابع الحالة بعيادته الخاصة". يوضح أنّ الكشف عند الأطباء بالعيادات الخاصة بات موضة بالقاهرة لتذليل العقبات. بدوره، يقول محمود حسن، وهو موظف من محافظة المنيا بصعيد مصر، إنّ طفله الثالث لديه تقوس في الساقين، ويحتاج إلى عملية جراحية في المستشفى، لكن لم تجرِ حتى اليوم، ووصل الأمر إلى تقديم رشوة للموظفين كونهم على معرفة بما يحدث داخل جدران المستشفى.

أما هدى عبد الفتاح، وهي ربة منزل من محافظة المنوفية، شمالي القاهرة، فتقول إنّ ابنتها لديها عيوب خلقية في القلب وتحتاج إلى عملية. تضيف أنّها بعد واسطة، فوجئت بإدارة مستشفى "أبو الريش للأطفال" تطالب بعدد من المستلزمات الطبية، وأيضاً تحتاج إلى تبرع بالدم، على أن يتم توفير كلّ ذلك قبل إجراء العملية بـ48 ساعة، وتمكنت من توفير المستلزمات والدم، بتبرعات أهل الخير. يعبّر محمد عطية، وهو عامل من أهالي محافظة القليوبية القريبة من القاهرة، عن الوضع بقوله: "الغلبان (الفقير جداً) يجري دوسه حتى في المستشفيات"، مشيراً إلى أنّه يتردد على المستشفى منذ أكثر من أسبوعين لحجز مكان لابنه الذي يعاني من أنيميا (فقر دم) حاد، ويحتاج إلى علاج دوائي، ورعاية طبية مكثفة. يؤكد أنّ أطفالاً كثيرين يموتون في مصر، بسبب عدم توافر رعاية طبية واهتمام من قبل إدارة المستشفيات للأهالي، خصوصاً الفقراء من محدودي الدخل، والعاطلين من العمل.



وأولياء أمور أطفال مستشفى "أبو الريش" الملزمون بشراء الأدوية كلها من خارج المستشفى، قد يلجؤون إلى السوق السوداء عبر المراكز الطبية المنتشرة بشارع القصر العيني، والقريبة من المستشفى. وتجدر الإشارة إلى أنّ المستشفى يعتمد على تدبير احتياجاته المالية من أهل الخير ورجال الأعمال وأموال الزكاة.

دلالات

المساهمون