"معاهد وهمية" في مصر

31 اغسطس 2018
الصورة
هل هنّ موهومات؟ (Getty)
+ الخط -

تواصل "معاهد وهمية" كثيرة في مصر نصبها على تلاميذ المرحلة الثالثة والأخيرة من الثانوية العامة الحاصلين على 50 في المائة كحدّ أدنى للشعبتَين العلمية والأدبية والذين لا تستقبلهم الجامعات الحكومية مطلقاً، وتوهمهم بأنّها سوف تتيح لهم شهادات جامعية في مقابل مبالغ مالية. وهي أعلنت عن نفسها معاهد تعليمية من دون الحصول على التراخيص اللازمة لمزاولة نشاطها، من قبل الحكومة تماماً كما هي حال المعاهد والجامعات المعترف بها، الأمر لذي أوقع الآلاف فريسة لها.

ويروّج أصحاب تلك "المعاهد الوهمية" لها عن طريق نشر مواد إعلانية من قبيل المنشورات الورقية التي توزّع في الشوارع والملصقات التي تُعلّق بالميادين والشوارع الرئيسية ووسائل المواصلات، وعبر مواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي. وتأتي إعلاناتها لتتضمن وعوداً بمزايا وهمية تهدف إلى جرّ أرجل التلاميذ إليها، من أبرزها وعود بالتوظيف في جهات حكومية عقب انتهاء فترة الدراسة التي تمتد لعامَين. وهي تلجأ إلى ذلك مستغلة عدم توفّر جهاز رقابي لمتابعتها، علماً أنّ تلك المعاهد هي عبارة عن شقق مفروشة يلجأ إليها الحاصلون على مجموع منخفض لا يؤهّلهم الالتحاق بمعاهد حكومية مثل معهد فني تجاري.

وتختلف تكاليف تلك المعاهد بحسب أماكن وجودها والتخصصات الدراسية المختارة، فنجد أقساطاً بقيمة خمسة آلاف جنيه مصري (نحو 280 دولاراً أميركياً) في حين قد تتجاوز أخرى 20 ألف جنيه (نحو ألف و100 دولار) خلال العام الواحد. وبين هذا وذاك، تتراوح أقساط معاهد عدّة ما بين ثمانية آلاف جنيه و12 ألف جنيه (نحو 450 - 670 دولاراً). وتلك المعاهد تحمل أسماء جاذبة مثل "المعهد العالي" أو "الأكاديمية المتخصصة"، بهدف جعل أكبر عدد من طالبي العلم يلتحقون بها، فتنجح بالتالي في تحقيق هدفها الرئيس وهو جمع أكبر قدر من الأموال. يُذكر أنّ تلك الأسماء الجاذبة تغزو عدداً كبيراً من المحافظات المصرية، فتحلّ القاهرة الأولى وتليها الإسكندرية ثمّ الجيزة، في حين تكاد تلك "المعاهد الوهمية" أن تختفي في محافظات الصعيد باستثناء محافظة أسيوط التي تضمّ عدداً محدوداً منها.




في السياق، تلقي الخبيرة التربوية الدكتورة بثينة عبد الرؤوف اللوم على "الحكومة التي تركت تلك المعاهد تنتشر في مصر بتلك الكثافة الكبيرة"، مشددة أنّها "بمثابة مراكز تدريبية غير معترف بها، وهو ما أدّى إلى ارتفاع صرخات آلاف من الخرّيجين الذين اصطدموا بالواقع المرّ. من جهتها، لا تعترف القوات المسلحة بتلك الشهادات في التجنيد، وتعامل الخرّيج على أنّه يحمل مؤهلاً متوسطاً وليس فوق المتوسط. بالتالي يقضي في الخدمة العسكرية عامَين، وليس عاماً ونصف العام مثلما هي حال أصحاب المؤهلات فوق المتوسط". تضيف عبد الرؤوف أنّ "تلك المعاهد الوهمية لا تقف على شروط سواء السنّ أو مجموع العلامات لأنّ الهدف هو الربح المادي ليس أكثر، في حين لا توجد هيئة تدريس لها"، مطالبة الحكومة ممثلة بوزارتَي التعليم والتعليم العالي بالاضطلاع بدورهما الرقابي تجاه هذه المعاهد الوهمية التي تدغدغ مشاعر الأهالي ببيانات كاذبة، وتتاجر بأحلام الشباب".




من جهته، يوضح الخبير في المجال التعليمي الدكتور كمال مغيث، أنّه "إذا أراد المرء أن يبدأ مشروعاً من هذا النوع، فإنّه لن يحتاج سوى متخصص في الدعاية والتسويق وشقة صغيرة، غرفة منها للإدارة وثانية كصالة لاستقبال الوافدين وثالثة كقاعة تدريس". يضيف أنّ "بعضهم يحاول استغلال جهل تلاميذ المرحلة الثالثة من الثانوية العامة وأصحاب الدرجات الضعيفة وحملة الدبلوم الفني وكذلك أولياء أمورهم. فتلك المعاهد تدّعي أنّها معتمدة من الجهات الحكومية المختصة، وتؤهل الطالب لدخول الجامعة، وهو أمر لا أساس له على أرض الواقع". ويشير مغيث إلى أنّ "تلك المعاهد صارت في آليات عملها مثل الدجاجة التي تبيض ذهباً لأصحابها، وهي تمثّل شكلاً من أشكال الفساد في عملها الذي يعتمد على التحايل والنصب على الضحايا. فتلك المعاهد صارت تأتي تحت عنوان البيزنس وهذا يضرّ بسمعة المستوى التعليمي في مصر خارج البلاد". ويحمّل مغيث "الأجهزة الرسمية مسؤولية انتشار تلك المعاهد بسبب ضعف الرقابة ورخاوة الدولة في تطبيق القانون بحسم، فلا عقوبات رادعة لمواجهة حجم الجرائم المرتكبة".

المساهمون