"مسرح الشمس": خشبة لتحوّلات عمّان

17 يناير 2018
الصورة
(من "إدفع ما بدفع"، أول عروض "مسرح الشمس" الأردني)
+ الخط -
يشير الباحثون في علم الاجتماع إلى اقتران أزمة المسرح باضطراب هوية المدن التي تحتضنه، حيث إنه يعدّ الأقوى تأثيراً في تعبيره عن الصراع الاجتماعي والاقتصادي الذي يترك آثاره العميقة على الثقافة والمجتمع، ما يمكن من خلاله استيعاب الانزياحات في المشهد المسرحي في كلّ بلد عربي.

في الحالة الأردنية، رغم تقديم عروض مقتبسة من المسرح العالمي منذ عام 1914 مع الأب أنطون الحيحي في مدينة مادبا (جنوب عمّان)، وظهور نوادٍ مسرحية خاصة في أربعينيات القرن الماضي، إلا أن جميع الفرق التي أُنشئت لم تستمر بسبب عدم وجود دعم خاص بها، ولأنها اعتمدت في غالبيتها على هواة وليس على محترفين.

مع عودة عدد من الخريجين الذين درسوا في الخارج، شهدت الساحة انتعاشاً وظهور عددٍ من الفرق والجماعات المسرحية في الستينيات، لكن جميعها لم تستمر للأسباب ذاتها، حتى تأسست أوّل كلية للفنون أعقبها إطلاق وزارة الثقافة لعدد من المهرجانات المتخصّصة في مسرح الكبار والهواة والطفل، لتصبح الإطار الذي ينتج من خلاله المسرحيون أعمالهم التي تدعمها بشكل أساسي المؤسسة الرسمية.

خلفية تاريخية تحضر مع افتتاح "مسرح الشمس" العمّاني في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي الذي يراهن مؤسسه المخرج عبد السلام قبيلات (1965) على أن يشكّل مركزاً "ينتج أعمالاً مسرحية ويستضيف عروضاً لآخرين، ويقيم ورشات تدريبية متخصّصة".

في الوقت نفسه، لفت صاحب "بحر ورمال" (2016) إلى أنه "يسعى إلى تقديم عروض مسرحية، ذات مضامين فكرية وأخلاقية، بعيداً عن المستوى التجاري الساعي إلى الربح فقط"، في إشارة إلى أن مشروعه لا يأتي في إطار التنافس مع عدد من المسارح الدائمة في العاصمة الأردنية، والتي تقدّم أعمالاً يلجأ أصحابها إلى الإضحاك والتهريج على حساب المحتوى والفنيات، علماً بأن المكان كان مقرّاً لمسرح "الكونكورد" الذي كان يقدّم عروضاً تجارية قبل أن يُغلق لسنوات ثم يخضع لعملية إعادة تأهيل لجميع مرافقه، ليفتح أبوابه باسم جديد.

لا تبدو المهمة يسيرة، خاصة أن أول عرض افتتح به "مسرح الشمس" كان من إخراجه بعنوان "إدفع ما بدفع" المأخوذ عن نص الكاتب الإيطالي الراحل داريو فو (1926 – 2016)، إذ بقدر ما يظهر اختياره موفقاً لما يحتويه من نقد جذري للصراع الطبقي وفكرة السلطة التي تمثّل نواتها العائلة، كان الأداء على الخشبة متفاوتاً في مستواه، يكاد أن يخرج أحياناً إلى حدود السخرية المجانية.

بنى صاحب "ليننغرادكا" (2009) رؤيته على مفارقة تجعل شخصياته تتحرّك في فضاء أردني بأسمائها وأحداثها الإيطالية، وقد نجح في قول إن هيمنة رأس المال واحدةٌ ومقاومة الإنسان المهمشّ لها أيضاً واحدةٌ على اختلاف الجغرافيا والثقافات، لكن سقط في فخ المباشرة والكوميديا السهلة ربما لأن أبرز ممثلَيْن في المسرحية؛ خالد الطريفي وأحمد سرور بات أداؤهما متوقّعاً في العديد من المواقف.

العمل قام على تعرية الفوضى وحالات التشظي التي يعيشها المواطن العربي، والأردني أيضاً، نتيجة توحّش الرأسمالية التي توسّع مستوى الحرمان ويتكاثر بسببها عدد الفقراء يوماً بعد يوم، لكن احتشاد المقولات السياسية عبر الاقتراب من أحداث ومعطيات محلية أضاف قيوداً كان يمكن التخفّف منها، بالالتزام أكثر بالنص والخروج منه بشكل مدروس.

ليس اعتباطياً أن يطلق عبد السلام قبيلات الذي نال درجة الدكتوراه في المسرح من روسيا، "الشمس" تسمية لمسرحه، في محاكاة لتجربة المخرجة الفرنسية آريان منوشكين التي أسّست تحت الاسم نفسه مسرحاً طليعياً لا ينفصل عن السياسة والواقع، وفي السياق نفسه اقترح أن يفتتحه بعمل يقترب من آرائه كمخرج ينتمي إلى اليسار.

تطلعات كبيرة لبدايات قد يشوبها بعض الإرباك والأخطاء، لكنها تستحق الالتفات لمسرح يبشّر بارتباطه بالحياة والناس، وأن هذه المدينة تحتاج إلى الفن الرابع ليعيد تذكيرها بتحوّلات عديدة شهدتها المدينة خلال العقود الأخيرة.

المساهمون