"مائيات": صحارى وموانئ وبيوت تتراءى من خلف ستارة ما

19 يناير 2020
الصورة
(عمل لـ حصة المفتاح، من المعرض)
+ الخط -

للألوان المائية قدرة استثنائية على التعبير عن الانزياحات بين الضوء واللون، حيث إن أهمّ ما يميّزها هو المباشرة والاقتصاد في الحركة والكمية والتفاصيل، كما أنها تفرض على الفنان أن يتقن غايته من أولى ضرباته، ما يجعلها دعوة مستمرّة إلى أن يتجاوب مع التلقائية والعفوية التي تقتضيها طبيعتها الحسّاسة وسريعة الجفاف.

وإن كان "قاموس ماكميلان" يُعرّف الألوان المائية بأنها "كل صباغ يُخلط بالماء"، فإن هذا التعريف واسع، حتى أنه يشمل الغواش، والتمبرا وغيرها. ولكن، وحتى نهايات القرن الثامن عشر في أوروبا، اقتصر استخدام ألوان الماء على الاسكتشات، كما كانت مستخدمة في رسم المخطوطات، إلى أن أتى الفنان الإنكليزي الرومانسي جوزيف تيرنر (1775 - 1851)، وكشف، على نحو لم يكن متوقّعاً، عن قدرات الألوان المائية كوسيط غني بالإمكانيات، فأرسى تقليداً كبيراً من الرسم المائي أصبح جزءاً عريقاً من تاريخ الفن الإنكليزي.

أصبح صندوق الألوان المائية جزءاً من متاع المستشرقين في رحلاتهم الاستكشافية، يرسمون بها كل ما يرون من مظاهر الحياة اليومية. لكن الأمر مختلف في الهند وإيران وتركيا، حيث تعاملت هذه الحضارات مع الألوان المائية بشكل موسع وخلاق، وظهر ذلك بشكل أساسي في المخطوطات والمنمنمات والرسم على العاج والزجاج والحرير.

وعلى الرغم من هذا التاريخ الطويل للألوان المائية، إلّا أنَّ استخدامها تراجع إلى حد كبير، ولم تعد مادةً تستقطب الفنّانين لأسباب مختلفة، لكنها ترتبط في الأساس بالتطوُّر في المواد والتقنيات، والذي أصبحت معه قدرات الألوان المائية متأخّرة إلى حدّ ما.

لكن "غاليري المرخية" في الدوحة يُعيد مجموعة من الفنّانين القطريّين والمقيمين في قطر إلى لحظة الألوان المائية، فيتيح في معرضه الذي افتتح مؤخّراً تحت عنوان "مائيات" عرض عشرات الأعمال التي أُنجزت ونُفّذت بها.

المشاركون في المعرض المتواصل حتى السادس من آذار/مارس المقبل هم كلّ من: أسماء المناعي، والمعز العجمي، وحصة المفتاح، وسالم مذكور، وشعاع علي، وعبد الرحمن المطاوعة، وعلي دسمال الكواري، وفاطمة المناعي، ومبارك آل ثاني، ومحمد جنيد، ومي المناعي.

أمّا الموضوع الغالب على أعمال المعرض فهو المناظر الطبيعية، والتي طالما استُخدمت الألوان المائية لرسمها، فجاءت اللوحات لتُقدّم مشاهد من الجغرافيا القطرية، بعضها في الصحراء مثل عمل الكواري، وبعضها التفت إلى الميناء والقوارب الشراعية القديمة مثلما هي لوحة حصة المفتاح، بينما رسم المعز العجمي قطعة بين البيوت تبدو وكأنها تتراءى من خلف ستارة ما.

واختار سالم مذكور رسم "القارئة النائمة"، وفيها يجمع بين لحظتَي كامل الوعي وكامل اللاوعي في صورة امرأة نامت بينما هي تقرأ. ولا يخلو معرض مائيات من أعمال أكثر تجريباً وغرائبية، مثلما هي لوحات فاطمة النعيمي ومبارك آل ثاني وأسماء المناعي ومي المناعي وشعاع علي. أمّا عبد الرحمن المطاوعة ومحمد جنيد فركّزا على ملامح من البيئة؛ مثل رسم الحصان أو ملابس المرأة التقليدية في البلاد.

دلالات

المساهمون