"عملاء لحد" وعائلاتهم: قوانين عفو وأحكام مخفّفة مراعاةً للطوائف

25 مايو 2014
الصورة
جندي إسرائيلي يُشرف على انتقال عائلات جيش لحد(فرانس برس/Getty)
+ الخط -

كلّ شيء مختلف في الطريق إلى الحدود اللبنانيّة ـ الفلسطينيّة. لا زحمة سير، ولا زحمة ناس. بيوت قديمة، هواء نظيف، وشمس لطيفة. يقوم بـ"الرحلة"، طُلابٌ جامعيّون من بيروت، يزورون الحدود للمرّة الأولى. يصلُ الباص إلى منطقة مرجعيون. "جميلة هذه المدينة"، يقول أحد الشباب. تُجيب زميلته: "أجل، إنّها بلدة عملاء الإسرائيليين".

لم تقصد الشابة الإساءة لأهالي المنطقة بأسرها. كما أنها لم تقصد المتعاملين مع إسرائيل الموجودين في لبنان. لكنّ كلامها هو انعكاس لثقافة سببها خيانة بعض أهالي هذه المنطقة لوطنهم. تعامل هؤلاء مع العدوّ الإسرائيليّ خلال احتلاله لجنوب لبنان، وفرّوا إلى إسرائيل، تزامناً مع تحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي.

ينتمي معظم الفارين إلى "جيش لبنان الجنوبي"، أو ما كان يُعرف بـ"جيش لحد". تأسس الأخير في العام 1976 في منطقة مرجعيون الجنوبيّة على يد منشقّين عن الجيش اللبنانيّ. كان الضابط في الجيش اللبناني، سعد حداد، هو المؤسّس، والذي أعلن لاحقاً "دولة لبنان الحر". تسلّم قيادة "لبنان الجنوبي" الضابط في الجيش اللبناني أيضاً، أنطوان لحد، في العام 1984، بعد وفاة حداد. وصل عديد الجيش الذي كان مسؤولاً عن معتقل الخيام، والذي قام بأعمال قتل وتعذيب بحقّ لبنانيين وفلسطينيين، إلى نحو 6000 جنديّ، تلقوا الدعم العسكري واللوجيستيّ من وزارة الدفاع الإسرائيليّة.
يغيب ملفّ العملاء اللبنانيين في إسرائيل ثمّ يعود إلى الواجهة كلّ فترة. يرفض هؤلاء وصفهم بـ"العملاء". يعتبرون، في بياناتهم التي ينشرونها على موقعهم الإلكترونيّ، متجاهلين فيها الوقائع التاريخيّة، معلوماتٍ عن أنّهم كانوا "يعملون لأجل لبنان، ورفعوا العلم اللبنانيّ، ولم يكونوا جزءاً من الجيش الإسرائيلي".



في الأعوام الماضية، وخصوصاً بعد عدوان تموز 2006 الإسرائيليّ على لبنان، ظهر هؤلاء في الإعلام مطالبين الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله بـ"الرأفة" بحالهم، لأنّهم "ندموا على ما فعلوه". يحاولون بشكلٍ مستمرٍ أيضاً، استجداء عطف اللبنانيين عبر الحديث عن وضعهم الاقتصادي وأطفالهم والولاء للوطن. يتجاهل خطاب هؤلاء، أنّهم فضّلوا اللجوء إلى حكومة العدوّ المحتل للأراضي اللبنانيّة والفلسطينيّة، وأنهم هم الذين اقترفوا هذا الذنب بحقّ أنفسهم وأطفالهم، ووطنهم.

يتشارك العائدون من إسرائيل، مع الفارين إلى هناك، "صعوبات" مُوحّدة يُردّدونها بعد عودتهم. إذ إنّهم لا يستطيعون تسجيل أطفالهم الذين ولدوا في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، لأنّ وثائقهم بالعبريّة. ولذلك، قامت اللجنة الدوليّة بمبادرة في هذا الخصوص لترجمة الوثائق. أما الأطفال الذين تلقوا تعليمهم في إسرائيل، فالدولة اللبنانية لا تعادل لهم شهاداتهم، ومناهجهم مختلفة. كما تتم ترجمة وثيقة الوفاة الى العربية والانكليزية بالنسبة للمتوفين.

اهتمام كنسيّ

ليس هناك أرقام رسميّة لعدد اللبنانيين الذين فرّوا إلى إسرائيل في أيار/ مايو من العام 2000. يتركّز هؤلاء في "أراضي الـ48". تقول مسؤولة فرع البحث وإعادة الروابط العائلية في البعثة الدولية للصليب الاحمر في بيروت، كريستين رشدان، لـ"العربي الجديد"، إن "التقديرات تشير إلى أنّهم كانوا حوالى 6000 شخص، غير أنّ عدداً كبيراً منهم عاد خلال سنة واحدة بعد أن تبدّدت مخاوفهم".
وفي فلسطين (48)، أولت الكنيسة المارونية اهتماماً كبيراً بقضيّتهم. ويعتبر النائب البطريركيّ العام للكنيسة المارونيّة في لبنان، المطران بولس صياح، أنّ اللبنانيين في إسرائيل هم "قسم من المجتمع، ومن الموارنة أيضاً، لذا على الكنيسة أن تهتمّ لأمورهم". وفي هذا الإطار، يؤكّد صياح لـ"العربي الجديد"، أنّ البطريرك الماروني بشارة الراعي سيزورهم خلال زيارته للأراضي المقدّسة، لمتابعة شؤونهم".
اهتمام الراعي بهذا الملفّ ليس جديداً، إذ إنّه وعد أهالي اللبنانيين في إسرائيل بمتابعة الملف ومحاولة إيجاد حلول له خلال الزيارة التي قام بها للبلدات الجنوبيّة بعد استلامه منصبه. والمطران صياح، كان مطران الموارنة في حيفا والأراضي المقدّسة قبل أن يتسلّم المطران موسى الحاج مهامه. يقول صياح إنّ "اللبنانيين في إسرائيل يريدون العودة إلى لبنان بكرامة وليس بأيّ ثمن".

3 آلاف لبنانيّ لا يزالون في إسرائيل

رفضت اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر في البداية تولّي أمر إعادتهم إلى لبنان، لأنّه كان يستحيل "تأمين المتابعة لهم وزيارتهم في السجون اللبنانيّة، فتولّت قوات حفظ السلام الدوليّة الأمر"، بحسب ما تقول رشدان. وتضيف أنه "بعد حرب تموز 2006، كانت المعطيات قد تبدّلت على الأرض، إذ سمحت الدولة اللبنانية للّجنة بزيارة السجون، فعادت اللجنة الدولية لتقوم بدورها في هذا الإطار".
يُقدّر المطران موسى الحاج عدد اللبنانيين في إسرائيل حالياً بأكثر من 650 عائلة أي ما يقارب الـ3000 نسمة. ترفض الدولة اللبنانية من جهتها، إعادة اللبنانيين الذين عبروا إلى إسرائيل عبر الأردن ومصر، وتكتفي بالسماح للجنة الدوليّة للصليب الأحمر بإعادة مَن غادروا عبر معبر رأس الناقورة. تكشف كريستين رشدان، لـ"العربي الجديد"، أنّ اللجنة الدوليّة أعادت 74 شخصاً من إسرائيل و237 جثماناً، منهم حوالى 200 جثمان جرت إعادتهم في إطار عمليّة التبادل التي حصلت في يوليو/ تموز 2008، بالإضافة إلى 5 أسرى من السجون الإسرائيلية. ما يعني أنّ الصليب الأحمر أعاد 69 متعاملاً حياً (أو أقارب للمتعاملين)، و37 جثماناً لهم. تتأكّد اللجنة الدولية للصليب الأحمر من أنّ "الراغبين في العودة الى لبنان ليسوا مُكرهين على فعل ذلك، عبر زيارات لهم يقوم بها مكتب القدس في اللجنة. كما تقوم اللجنة بإبلاغهم بحيثيات عمليّة الاعادة، واحتمال توقيفهم"، بحسب رشدان.

مشروعان في المجلس النيابيّ

انعكس الاهتمام المسيحيّ بالقضيّة بتقديم اقتراحين إلى مجلس النواب اللبناني لوضع حلّ لها. الاقتراح الأول قدمه رئيس تكتل التغيير والاصلاح (التيار الوطنيّ الحر) النائب ميشال عون، في أغسطس/ آب 2011. يشمل الاقتراح المقدم جميع "اللاجئين الى إسرائيل الذين لا ملفات عسكريّة لديهم، ولم ينضووا ضمن جيش لبنان الجنوبي". ويتناول الاقتراح "معالجة أوضاع جميع اللبنانيين الذين لجأوا قسراً إلى إسرائيل عام 2000". وجاء في الاسباب الموجبة للقانون أن "هؤلاء اللبنانيين غير مسؤولين عن تخلي الدولة اللبنانيّة عنهم منذ بداية الاحداث اللبنانية وتركهم لمصيرهم الاسود تحت النيران الاسرائيلية".


أُقرّ مشروع القانون في جلسة للمجلس النيابي في العام 2011، وذلك بعد تعديله بطرح من رئيس مجلس النواب نبيه بري. ولحظ المشروع، بعد تعديله، "إجراء محاكمات عادلة لمَن فرّ الى إسرائيل (...) في حال عودته، ويسلّم الى وحدات الجيش. أما (في ما يخص) المواطنين الآخرين الذين لم ينضووا عسكرياً وأمنياً بمَن فيهم زوجاتهم وأولادهم الذين لجأوا الى الاراضي المحتلة، فيسمح لهم بالعودة ضمن آليات تطبيقية تصدر بمراسيم في مجلس الوزراء خلال سنة". ويوضح عضو تكتل التغيير والاصلاح، النائب آلان عون، في هذا الإطار، أنّ "التكتل قدّم الاقتراح بصيغة المعجّل المكرّر، فيما تمّت إعادته الى اللجان النيابية، وهو اليوم في الادراج".
رفض حزب "الكتائب" اقتراح "التيار الوطني الحر"، وقدّم مشروع قانون آخر إلى المجلس النيابي عبر النائب سامي الجميّل. وقد نصّ الاقتراح على "منح عفو عام عن الجرائم المرتكبة قبل تاريخ 31 ديسمبر/ كانون الأول 2000، وإسقاط دعاوى الحق العام والأحكام وكافة المحاكمات وايقاف التعقبات وعدم إحالة أي من الدعاوى إلى أيّ مرجع قضائيّ. وبذلك تنتفي حكماً صلاحيّة جميع المحاكم العادية والاستثنائية بإعادة المحاكمة أو الطعن في الأحكام التي صدرت، والإفراج عن المحكومين فور صدوره. كما تمحى آثار جميع الأحكام التي صدرت بالجرائم المذكورة وتعتبر كأنها لم تكن وتشطب قيودها أينما وجدت وخاصة في مختلف السجلات العدليّة".
يطلبُ "اللبنانيون في إسرائيل"، عبر بيانات ينشرونها على موقعهم، العودة غير المشروطة إلى "وطنهم"، ويصرّون على براءتهم، ويسألون عن معنى "المحاكمات العادلة". لم تكن الأحكام القضائيّة بحقّ المتعاملين عادلة طبعاً. ليس لهم، بل لأرواح الشهداء. فهم لاقوا أحكاماً مُخفّفة، تراوحت بين ثلاثة وسبعة أعوام في معظم القضايا. وطبعاً في هذا الموضوع، أدّت الطائفية دوراً كبيراً لإرضاء رجال دين رفعوا بشكل استباقي، لواء "مظلومية الطائفة".
وقد تسبّب هذا الأمر باحتجاجات كثيرة في لبنان من الأسرى المحررين وسياسيين، ولعل أبرزها ما قاله الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، إذ اتّهم، في كلمة له بعد اغتيال القيادي في الحزب غالب عوالي في العام 2004، "قوى سياسيّة ورجال دين بالضغط على المحاكم لتبرئة العملاء وإصدار أحكام مُخفّفة بحقّهم".

دلالات

المساهمون