"عسكرة" الثروة السمكية في مصر

20 نوفمبر 2017
الصورة
حاول السيسي نفي تهمة عسكرة مشروع الاستزراع السمكي(العربي الجديد)
بعد استحواذه على بحيرة البردويل شمال سيناء والتضييق على الصيادين فيها، طمعًا في الاستيلاء على أسماكها ذات الجودة والسمعة العالمية، سيطر الجيش المصري على مزرعة "بركة غليون" أكبر مزرعة للاستزراع السمكي في الشرق الأوسط وأفريقيا والواقعة بمركز مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، شمال القاهرة.

وقد تأكد أن انحراف الجيش المصري عن مهامه الأصلية في التدريب على العمليات القتالية وإخفاقه في ضبط الحدود الغربية مؤخرًا وحفظ الأمن في سيناء من قبل مثل كل الجيوش الوطنية في العالم، وانزلاقه إلى الاستثمار في المقاولات ورصف الطرق وإنشاء الكباري، وصناعة المكرونة وخدمات النظافة والصوب الزراعية والاستزراع السمكي، لم يكن طمعًا أو تعطشا ًمن قادته، بل كان بأوامر مباشرة منه.

وعبثًا حاول الجنرال عبدالفتاح السيسي أن ينفي تهمة عسكرة مشروع الاستزراع السمكي الضخم في بركة غليون واستيلاء القوات المسلحة عليها وهو يقول بأسلوبه الخاص "ما يصحش أن احنا نقول ده جيش"، وقد تبين أن إنشاء الشركة الوطنية للاستزراع السمكي والأحياء المائية، وإلحاقها بالهيئة الهندسية للقوات المسلحة بمجرد توليه الحكم منتصف 2014، كان من بنات أفكاره وتوجيهاته، وهو السر الذي أذاعه اللواء حمدي بدين رئيس الشركة في حفل افتتاح مشروع الاستزراع السمكي ببركة غليون.

ومهما أنكر السيسي استيلاء الجيش على المزرعة، فإن كل اللافتات في المزرعة وعلى أبواب مصانع الثلج والفوم قد كُتب عليها "وزارة الدفاع، جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، الشركة الوطنية للاستزراع السمكي والأحياء المائية" عبارة تحت أخرى، ما يجعل إنكاره مستهجنًا ولا معنى له.

ملكية بركة غليون

مساحة بركة غليون تزيد على 26 ألف فدان، لذا فهي أكبر مزرعة سمكية في أفريقيا، وتتبع الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية حتى استولى عليها الجيش في يوليو 2015. وكان يستأجرها الصيادون في قرية برج مغيزل وخمس قرى أخرى تطل عليها، ويعيشون هم وأسرهم على ناتج الصيد فيها، ويدفعون رسوم الايجار إلى الهيئة.

إنتاج المزرعة من الأسماك كان غزيرًا، ووصل إنتاجها في 1978 إلى 200 ألف طن من أجود أنواع الأسماك في العالم، بحسب تصريحات لنقيب الصيادين، وذلك قبل إهمالها في عهد المخلوع مبارك وتوقف العمل بها رسميًا، ولكن ظل الصيادون من أبناء المنطقة يصيدون ويتكسبون فيها.

الجنرال السيسي يخالف الدستور الذي أقسم عليه عندما يغتصب مشروع بركة غليون من الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية، سيما أنها الجهة المدنية والرسمية الوحيدة المختصة قانونًا بملكية وإدارة والإشراف على كل المزارع السمكية والمسطحات المائية العامة، وتنمية الثروة السمكية في عموم المصايد المصرية، وكذا تأسيس شركات قطاع عام متخصصة في الثروة السمكية وذلك طبقًا لمهامها الموكلة بها في القرار الجمهوري رقم 190 لسنة 1983.

بعد استيلائه على المزرعة، حرم الجيش الصيادين الفقراء في خمس قرى كاملة تطل على المزرعة السمكية من الصيد فيها، وذلك بعد أن تم إنشاء سور محكم حولها بالكامل وبطول 11 كم، وقام بتركيب كاميرات مراقبة عليه، وتحولت المزرعة إلى منطقة عسكرية يحظر الاقتراب منها شأنها في ذلك شأن كل المناطق العسكرية في مصر، ما يضطرهم للصيد في المياه الدولية في ليبيا وتونس والسودان وتعرضهم لحوادث غرق متكررة والقبض عليهم.

وقلل اللواء بدين من أعداد السكان في القرى المطلة على المزرعة وذكر أنهم 30 ألفًا، والحقيقة أن تعداد البعض منها يزيد منفردًا عن هذا الرقم، ثم وصفهم أمام الجنرال السيسي بالسكان المحليين، دون أن يعترض الأخير، وهو مصطلح يطلق عادة من جهات أجنبية، سواء كانت محتلة أو صديقة، على سكان المنطقة الأصليين، وكان يحسن به أن يعبر بلفظ "الأهالي" بدلًا من السكان المحليين.

تدمير الثروة السمكية

رغم توافر الخبرات الوطنية لدى علماء الهيئة العامة للثروة السمكية المصرية والتي يشهد لهم العالم بالخبرة والكفاءة، وقد وضعوا مصر على قمة افريقيا والثامن عالميًا في مجال الاستزراع السمكي، فقد غاب رئيسها وخبرائها تمامًا، أو غيبوا، عن المشروع ومشهد الافتتاح، الذي تم أول من أمس الأحد.

وتعاقد الجيش المصري بالأمر المباشر مع شركة صينية تدعى "جوانجدونج ايفرجرين" لم تبدأ نشاطها في مجال الاستزراع السمكي إلا في 1998، وبمبلغ 86 مليون دولار، بحسب تصريحات الرئيس التنفيذي لموقع اندركرنت نيوز البريطاني، ما يعد مخالفة لإجراءات المناقصات الحكومية وإهداراً للمال العام، وتربحاً لصالح شركة أجنبية مع وجود الخبرات المحلية.

كفاءة ضباط القوات المسلحة الذين درسوا العلوم العسكرية وتدربوا على المهام القتالية في تنمية الثروة السمكية المصرية وإدارة مزارع الاستزراع السمكي لن تضارع خبرة أجيال من علماء الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية على امتداد عشرات السنين وقد حققوا نجاحات عالمية، وقد بدا واضحًا عند سؤال السيسي عن الوسائل الفنية اللازمة لتعظيم إنتاجية الأحواض السمكية، عدم إلمام رئيس شركة الاستزراع السمكي التابعة للجيش ولا زميله بأسس الاستزراع السمكي الفنية، واكتفى أحدهما بقوله "اطمن يا فندم"، واعترف الثاني بنقص الخبرة التي وعد باستكمالها في المراحل اللاحقة للمشروع، وضحك الجميع.

والمؤكد أن استثمار الجيش المصري في الاستزراع السمكي من أجل سد فجوة تقارب 500 ألف طن بين الإنتاج المحلي البالغ 1.5 مليون طن سنويًا وبين حجم الاستهلاك البالغ قرابة 2 مليون طن، من خلال الاستحواذ على البحيرات والمزارع السمكية وتدمير الهيئة العامة لتنمية الثروة السمكية وشل قدراتها في تنمية المصايد السمكية، سوف يؤدي إلى تراجع إنتاجية هذه المصايد بمرور الوقت وتزايد معدلات الفقر بين الصيادين المصريين والبحارة وأسرهم البالغ عددها قرابة 2 مليون مواطن، بخلاف الملاحين وعمال مصانع الثلج وتجار التجزئة، وقد تزداد الفجوة ويفشل الجيش في علاجها كما فشل في تكليفات السيسي له بضبط أسعار السلع عدة مرات منذ تولى الحكم.