"عراقيات"... بغداد كما تتخيّلها بيروت

15 أكتوبر 2019
الصورة
تجهيز فيديو للفنان محمود العبيدي (دار النمر)
+ الخط -
"بلي يا بلبول/ ما شفت عصفور"، تدور أغنية الأطفال في فيديو بعنوان "نشيد وطني" يحكي حدثاً تاريخياً متخيّلاً من تاريخ العراق في ثلاثينيات القرن الماضي. وتدور مع الأغنية من دون توقف أقلام رصاص مثبّتة داخل بَكَرات شرائط كاسيت تبث تهويدات عراقية شعبية، وذلك ضمن تجهيز فنّي متعدد الوسائط للفنان العراقي عادل عابدين بعنوان "العودة إلى المستقبل"؛ أراد الفنان من خلاله الترميز لاستعادة ذاكرة الزمن والإضاءة على مسألة "قلة المصادر الأرشيفية" في العراق، لا سيما في ما يخص الذاكرة الشعبية التي عاصرها في طفولته، ما يسمح لتعدد التأويلات حول تلك الذكريات وخلق أساطير وقصص مفترضة، لتصير "الأماكن والأحداث تقاليد ذات محتوى جديد".

وفي فضاء الحفاظ على الذاكرة الآنية للعراق والتواصل مع واقعه وصورته الحالية، عُرض عمل الفنان عابدين إلى جانب أعمال فنية عراقية معاصرة على مدى أسبوع ضمن سلسلة فعاليات ثقافية في بيروت حملت عنوان "عراقيّات"، افتتحت مساء السابع من الشهر الحالي "في دار النمر للفن والثقافة" بإشراف القيمة رشا صلاح وبتكليف من مؤسسة روزا لوكسمبورغ. في دقيقة صمت، وجّه منظمو الفعالية في ليلتها الأولى تحية لشهداء العراق الذين سقطوا منذ عام الاحتلال الأميركي وحتى المواجهات الأخيرة في البلاد، ومن ضمنهم الناشطان سارة طالب وحسين عادل، اللذان كانا على تواصل مع منظمي الفعالية أثناء التحضير لها.

أشارت القيّمة رشا صلاح إلى أن الفعالية هي مبادرة لإعادة تعزيز الصلات مع العراق في محاولة لتغطية النقص الحاصل على مستوى العلاقات ما بين بيروت وبغداد، ولا سيما ما بعد الاحتلال الأميركي؛ "وكأنما ذاكرتنا قد توقّفت عند ذلك الزمن وأنكرت الواقع الأليم الذي نعيشه جميعاً"، على حد تعبيرها. تشاركت صلاح في التحضير للفعالية مع كل من سعاد أبي سمرا ومديرة مؤسسة روزا لوكسمبورغ في بيروت؛ مريم يونس.
وحول العمل على برمجة الفعالية، تقول صلاح: "حاولت تخيّل العراق كأنه صورة مركبة من عدة أجزاء على الصعد الثقافية والسياسية وخلفياتها المنوعة، مع الرفض أن أدخل في التحولات الطائفية التي تشهدها معظم البلاد العربية". وتشدد صلاح على أن أهمية الحدث تبرز في "تقديم الفن العراقي المعاصر والحديث ومدّ جسور مع الشعب العراقي من دون أن يُختزل كمجرد أرقام على الشاشات".
تضمّن الافتتاح، إلى جانب عمل الفنان عابدين المذكور، تجهيز فيديو للفنان محمود العبيدي بعنوان "الزي الرسمي"، يجرّد فيه الإنسان من الزيّ كرمز للانتماء الفكري إلى مجموعات قد يتحيّز الفرد إلى فكرها ومعتقداتها المختلفة، ما يبعث على الخلاف مع الآخر، فيما نحن جميعاً "نولد عراة.. ونموت عراة". الشعر أيضاً حضر في "عراقيّات"؛ بداية في ليلة افتتاحه مع قراءات لمحمود درويش قدّمتها رائدة طه كتحية من فلسطين للعراق، ومن ثم في ليلته الثانية مع الشاعر والروائي سنان أنطون في محاضرة بعنوان "سيرة الماء: ذاكرة النص" خصصها لإرث الشاعر سركون بولص الذي وصفه أنطون بنهر من أنهار العراق الإبداعية، عارضاً نماذج من أعمال الشاعر الراحل وملامح الشخصية العراقية فيه ومأساتها ربطاً مع الأحداث الأخيرة التي تجرى في العراق.

الفنان ضياء العزاوي حلّ ضيفاً على دار النمر للفن والثقافة في ليلة الفعالية الثالثة؛ حيث قدّم عرضاً حول عدد من أعماله التي توثّق تاريخ العراق منذ عام 1978 مروراً بالاحتلال الأميركي وتشويه آثار العراق التاريخية والاقتتال الداخلي. كذلك عرض بعض أعماله التي قدّمها لفلسطين وشعبها كلوحات تحاكي مجزرة صبرا وشاتيلا وحصار غزة، بالإضافة إلى نصب "أيقونة" الذي يمثّل شخصية حنظلة في تحية لناجي العلي.
إلى جانب ذلك، شارك العزاوي في "عراقيّات" بنصب رمزي عن عمل تجهيزي ضخم بعنوان "الروح الجريحة"، يمثل منحوتة لحصان يقف منتصباً وهو مصاب بسهام في مواضع مختلفة من جسده، تحيط به مئات الزهور البيضاء كتحية للأكاديميين العراقيين الأربعمئة وخمسين الذين اغتالتهم عناصر مجهولة "استكمالاً لمهمة الاحتلال الأميركي للعراق والتي تبعتها مسيرة القتل على الهوية وآلاف المغيبين في السجون".
السينما كانت لها حصة غنية في "عراقيّات"، إذ خصصت لها ثلاث أمسيات عُرضت فيها مجموعة أفلام لكل من المخرجين عادل خالد، ضياء جودة، عادل عابدين، محمد الدراجي، بارين جادو وناديا شهاب. كذلك انفردت الفعالية بالعرض الأول في العالم العربي لفيلم "بغداد في خيالي" للمخرج سمير. ختام "عراقيّات" كان موسيقياً مع جلسة سمع قدّمها الناقد الموسيقي سامر المشعل بحضور الملحّن العراقي كوكب حمزة، عرض فيها نبذة تاريخية عن الأغنية العراقية، ملامح ظهورها، طليعيها، وحضورها في العالم العربي. على مدى أسبوع، دار الكلام في فضاء دار النمر للفن والثقافة بلهجات عربية منوّعة حاكت نسيجاً بات مفتقداً في أيامنا هذه.

المساهمون