"صندوق النقد الدولي"... وزير خفي يسيّر حكومات عربية

15 اغسطس 2016
الصورة
صندوق النقد يوجّه الاقتصادات ليحولها إلى زبائن (Getty)
+ الخط -
قد يظن بعضهم أن الطاولات التي تعقد بعض الحكومات العربية جلسات حولها كبيرة جداً نسبة إلى عدد الوزراء، إلا أن ضخامتها متأتية من الحاجة لتخصيص مساحة للوزير الخفي الكبير، وزير يدير دفّة الاقتصاد، يقرر عن الحكومة مصير البلاد، يأمر وينهي... الوزير اسمه "صندوق النقد الدولي".

بعض التجارب مع الصندوق لم تكن سيئة تماماً، إلا أن أكثريتها أدخلت دولاً في نفق استدانة لا ينتهي بمعادلات تسحق المجتمعات، قوامها: بيع القطاع العام حتى لو كان رابحاً، إلغاء الدعم، خفض الإنفاق العام، زيادة الضرائب... إجراءات ترهق المجتمعات وتحوّل الدول الهشة إلى زبون قسري لدى الصندوق.

إذ يسيطر صندوق النقد الدولي على عدد من اقتصادات الدول العربية التي لا تستخدم مواردها بالشكل الصحيح بسبب الفساد المالي والإداري وسوء الإدارة، بالإضافة إلى تردي الأوضاع الأمنية والضعف الاستراتيجي، وذلك من خلال فرض شروط تجبر الحكومات على تطبيقها بالرغم من أنها تهلك المواطنين، وخاصة الفقراء... التقرير العربي المشترك يبحث هذا الأسبوع آثار اقتراض العراق، ومصر، والمغرب من صندوق النقد الدولي، إضافة إلى استعراض التجربة الجزائرية مع هذه المنظمة الدولية. 

مصر: دوران في حلقة العجز
دارت في مصر مفاوضات متقطعة بين الحكومات المتعاقبة على حكم مصر منذ الثورة مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض تحت وطأة نضوب الاحتياطي النقدي الأجنبي، ليوافق الأخير، على مستوى الخبراء، على قرض منذ أيام بقيمة 12 مليار دولار.

"نحن من ذهبنا إلى صندوق النقد الدولي، فمن الطبيعي أن يفرض شروطه على مصر لتنفيذ البرنامج الذي يرى أن من شأنه إصلاح الوضع الاقتصادي، وذلك حتى يضمن قدرة مصر على تحقيق فائض في الموازنة، ومن ثم سداد أقساط الصندوق"، بحسب تصريحات لمصدر في
الجمعية المصرية للاستثمار المباشر.

ويشير إلى أن "الشروط الأساسية لصندوق النقد تشمل خفض سعر صرف الجنيه بهدف جذب السيولة المتدفقة نحو السوق السوداء للدولار، وتقليص مخصصات الدعم في الموازنة، فضلاً عن خفض النفقات الحكومية".

وبدأت الحكومة تنفيذ شرط خفض مخصصات الدعم سواء في الطاقة والكهرباء، فقد شهد الأسبوع الماضي زيادة أسعار فواتير الكهرباء وخفض مخصصات دعم الكهرباء إلى 30 مليار جنيه بدلاً من 48 ملياراً.

وعلى سبيل مثال زادت الفواتير الكهربائية لمحدودي الدخل فقد ارتفعت فاتورة استهلاك 50 كيلو وات/ساعة إلى 6.5 جنيهات بزيادة 35.4%، وفاتورة استهلاك 100 كيلووات/ساعة إلى 17 جنيهاً بارتفاع 36%. إضافة إلى التحضير لخصخصة مؤسسات عامة قد تؤدي إلى صرف آلاف الموظفين.

من جانبه، يشدد خبير مصرفي على أن "مصر باتت في وضع يُرثى له، نتيجة التضخم الفادح بعجز الموازنة حتى تخطى 300 مليار جنيه، فضلاً عن عدم تغطية البنك المركزي أكثر من 50% من الإيردات المقدرة بـ 80 مليار دولار سنوياً، في حين تغطي السوق السوداء النسبة المتبقية".
ويقول إن "تفاقم الأوضاع الاقتصادية تزامن مع تراجع حجم المساعدات الخليجية، مما جعل الحكومة لا تجد مفراً من اللجوء إلى صندوق النقد الدولي بعد أن أثبتت الخطط والتقديرات الحكومية السابقة فشلها في الخروج من النفق الاقتصادي المُظلم. وسيكون هناك زيادة كبيرة في تكلفة المعيشة بسبب شروط إلغاء دعم الطاقة والكهرباء، وخفض سعر صرف الجنيه".

العراق: إزهاق النفط ثم الاستدانة
خضع العراق لشروط صندوق النقد الدولي مقابل الحصول على قرض 5.4 مليارات دولار لسد العجز المالي في موازنة العام الحالي البالغ أكثر من 25 مليار دولار. واعتبر عدد من الاقتصاديين أن ذلك سيشكل عبئاً مالياً على البلد.

وتبلغ الديون العراقية حتى الآن وفق التقارير الحكومية 70 مليار دولار، منها 10.6 مليارات دولار لصندوق النقد الدولي و2.7 مليار دولار للبنك الدولي، بالرغم أن البلاد دخلتها إيرادات خلال السنوات العشر الأخيرة بأكثر من 800 مليار دولار ولكن سوء الإدارة واستفحال الفساد المالي والإداري في مؤسسات الدولة وضعف مؤسسات الرقابة المالية جعل الاقتصاد يصل إلى مرحلة الكساد بسبب عدم تفعيل القطاعات الإنتاجية والاعتماد المطلق على النفط.

تبرر الحكومة العراقية اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لسد فجوة العجز المالي والسيطرة على تكاليف الحرب مع تنظيم داعش وكذلك دفع رواتب موظفي الدولة التي تبلغ 45 مليار دولار سنوياً.

ويقول المستشار المالي لرئيس الحكومة، مظهر محمد صالح، لـ "العربي الجديد"، إن "صندوق النقد قرر منح العراق 5.4 مليارات دولار بعد مفاوضات دارت بين الطرفين فترة طويلة"، مبيناً أن "شروط الصندوق تتضمن تعديل قوانين البنك المركزي وهيئة النزاهة والإدارة المالية وتدقيق الحسابات العراقية وتحديداً الديون الخارجية والداخلية".


ويضيف أن "الصندوق قرر أيضاً خفض النفقات الحكومية وتقليل سعر بيع النفط في الموازنة إلى 35 دولاراً للبرميل الواحد وإعادة هيكلة الشركات الحكومية والمصارف الحكومية وإنشاء شركة لضمان الودائع"، ويشير إلى أن "الاتفاق واضح جداً ومعلن للجميع وهدفه إصلاح اقتصاد العراق".

وتتفق رابطة المصارف الخاصة مع الحكومة بضرورة اللجوء إلى الاقتراض من صندوق النقد الدولي. ويشير مديرها التنفيذي علي طارق لـ "العربي الجديد" إلى أن "وضع العراق الحالي يجبرنا على الاستدانة بالرغم من أن الدين يشكل عبئاً على البلد، لكن المواطنين يعتمدون على رواتب الدولة وأي تلكؤ في تسديدها سيؤدي إلى كارثة كبيرة".

بينما، يرى الخبير الاقتصادي، عبد الرحمن المشهداني، أن "الحكومة العراقية تكذب على الشعب عندما تقول إن ديون البلد لا تتجاوز 15 مليار دولار في حين أنها تخطت 65 مليار دولار العام الماضي".
ويتحدث المشهداني لـ "العربي الجديد"، إن "الحكومة العراقية تلجأ إلى الاقتراض لتمويل الاستهلاك لا الإنتاج"، مشيراً إلى أنه "سيأتي وقت التسديد ولا نستطيع سداد أقساط الصندوق، مثلما يحدث مع الشركات النفطية التي تأخذ مستحقات استثمارها وأرباحها السنوية، في حين أن النشاط الاقتصادي ما زال ضعيفاً، بالإضافة إلى الفساد المستمر وضعف الأجهزة الرقابية".

التجربة الجزائرية مع الصندوق
وفي الجزائر، يرتبط اسم صندوق النقد الدولي بالمآسي والمعاناة، فهي التي عاشت تحت رحمته منذ بداية تسعينيات القرن الماضي على خلفية الأزمة الاقتصادية في عام 1986 إثر انهيار أسعار النفط ما دفعها إلى اعتماد إجراءات قاسية جداً، منها تخفيض قيمة الدينار أكثر من 40 في المائة من قيمته وتآكل القدرة الشرائية للمواطن، ناهيك عن فقدان أكثر من 600 ألف عامل وظائفهم عقب إغلاق المؤسسات أو خصخصة بعضها.

وما لحق ذلك من أزمة أمنية خلفت أكثر من 200 ألف قتيل. لكن الجزائر تمكنت من تسديد
ديونها منذ 2004 وحتى 2011، والبالغة 30 مليار دولار، وتحولت من بلد مدين لصندوق النقد الدولي إلى بلد دائن له.

ويرى خبير الاقتصاد، الدكتور فريد بن يحيى، أن "أصحاب القرار في الجزائر لم يسيّروا البلاد بنجاعة بألف و300 مليار دولار التي دخلت الخزينة منذ عام 1999 وحتى عام 2015"، عازيا ذلك إلى "التبذير وسوء الإدارة".

ويقول بن يحيى لـ "العربي الجديد"، إن "المسؤولون حالياً يريدون الذهاب نحو الاستدانة الخارجية، لكنهم متخوفون من ردة فعل الشعب، خصوصاً أن خبراء المال والاقتصاد حذروهم من ذلك، ولكن من دون جدوى".
من جهة أخرى، يفضل الخبير الاقتصادي، فرحات أيت علي، التوجه نحو الاستدانة الخارجية بسبب العجز في الموازنة المالية الذي يفوق 25 مليار دولار هذا العام.

وتحدث علي لـ "العربي الجديد"، بأن "العجز المالي لا يمكن تغطيته بالمداخيل المحلية، خصوصاً أن القرض السندي المحلي لم يأتِ بأكثر من 4.5 مليارات دولار، وصندوق ضبط الإيرادات يحتوي على تسعة ملايين دولار"، مشيراً إلى أن "إجمالي ما يمكن أن تجنده الجزائر من الأموال المحلية لا يتجاوز الـ 14 مليار دولار كأقصى تقدير، مما يبقي العجز مستمراً".

ويتابع "يوجد احتمالان، إما التوجه إلى الاستدانة من بعض المصارف الأجنبية والبنك الأفريقي للتنمية الذي تُجرى حالياً معه مفاوضات في هذا الشأن أو من البنك الدولي"، مضيفاً أن "البنك الدولي وصندوق النقد يتدخلان في سياسات الدول الاقتصادية والاجتماعية، بهدف تصحيح بعضها التي يراها سياسات عرجاء من منظوره".
ويؤكد أيت علي، أن "الجزائر لو كانت تمتلك الرغبة برفض تدخل الهيئات الاقتصادية الدولية في سياساتها لصرفت خلال السنوات الخمسة عشر الماضية بطريقة معقولة الأموال البالغة 800 مليار دولار"، مشيرا إلى أن "الأموال التي صرفت جعلت الجزائر أكثر تبعية للاقتصادات الخارجية، فبعدما كنا تابعين بنحو 13 مليار دولار سنوياً من الاحتياجات الداخلية، زاد الرقم إلى 60 مليار دولار سنوياً".

بينما يرفض الخبير الاقتصادي فارس مسدور، التوجه نحو الاقتراض من صندوق النقد الدولي، ويفضل التوجه نحو الاستثمار. ويقول في حديثه إلى "العربي الجديد"، إن "جميع المعطيات تدل إذا بقينا على هذا الحال فإنه بعد 23 شهراً أو أقل، سنكون مجبرين على الاقتراض الخارجي، وهذا ما يطمح إليه من يفتقدون العقلانية والرشاد".

ويبين "نحن بحاجة لإقناع دول العالم بضرورة الاستثمار في الجزائر، ومنحه امتيازات جبائية وشبه جبائية وجمركية وبتسهيلات إدارية قوية جداً، عند ذلك سنخرج من أزمتنا".
ويؤكد "قادرون على الخروج من الأزمة المالية في أقل من خمس سنوات إذا تبنينا الإدارة السهلة وخلق هيئة لمكافحة الفساد في البلد وتبني فكرة القطاع الفلاحي كقطاع رائد، ولكن نحن نرفض المقترحات التي توصلنا إلى بر الأمان".


خط الائتمان للمغرب... جدل مستمر
تعتبر المملكة المغربية، زبوناً قديماً لصندوق النقد الدولي، وقبل الخط الائتماني الأخير الذي حصلت عليه في يوليو/ تموز الماضي، بقيمة 3.47 مليارات دولار. حصلت المملكة على قروض أخرى، آخرها قرضان مماثلان استعملا خلال السنوات الأربع الماضية، وأثارا الكثير من الجدل في الأوساط السياسية والاقتصادية. وذلك بين مرحب بدعوى جدوى الاقتراض في دعم الاقتصاد وبين من يرى أنه وسيلة إخضاع للدول ذات الاقتصادات الضعيفة وفرصة لفرض إملاءات الصندوق بما يتوافق مع سياسات التقويم الهيكلي التي تم تجريبها في عدد من الدول ضمنها المغرب سنوات الثمانينيات وكانت فاتورتها ثقيلة على الاقتصاد.


في تبريرهم لمنحه خطاً ائتمانياً جديداً، يقول خبراء الصندوق "إن الموافقة على منح المغرب قرضاً مالياً (خط الوقاية والسيولة) تهدف إلى الرفع من نسبة النمو، وهو قرض وقائي ضد الأخطار والصدمات الخارجية، ومنح المغرب هذا القرض، يأتي لاحترامه الشروط التي يضعها الصندوق، ويبرز قوة العناصر الاقتصادية للبلاد والإطار السياسي".

ويقول الخبير الاقتصادي، عبد السلام بلاجي، لـ "العربي الجديد": "إن محل الجدل في موضوع تعامل المغرب مع صندوق النقد الدولي يرجع في أول الأمر إلى الخلاف في التسمية، بين من يتحدث عن قروض، في حال أن الأمر يتعلق بخط ائتمان للوقاية والسيولة. والمغرب حصل على خطين ائتمانيين سابقين في 2012 بقيمة 6.5 مليارات دولار، وفي سنة 2015 بقيمة 5 مليارات دولار، بعد أن لمس خبراء الصندوق متانة الاقتصاد المغربي ووجود توازن مالي.

وما يجب التأكيد عليه هو أن المغرب لم يستعمل أياً منهما. وهذه السنة تم اقتراح 3.47 مليارات دولار فقط بالنظر إلى أداء الاقتصاد الذي تأثر بالموسم الفلاحي، وعموماً أن يحصل أي بلد على خط ائتماني من النقد الدولي هو دليل على وجود مصداقية لدى المؤسسات الدولية ولدى المستثمرين الأجانب".
ويعتبر فريق الرافضين لحصول المغرب على قروض مماثلة من الصندوق أن الأمر يعطي صورة سلبية عن متانة الاقتصاد وهشاشة التوازنات المالية، فضلاً عن خضوع الدول الحاصلة على القروض لإملاءات الصندوق فيما يخص السياسات الاقتصادية، بل بلغ حد وصفها بفقدان السيادة الوطنية بدليل وصول الدين الخارجي للمملكة نهاية 2015 إلى أكثر من 140 مليار درهم (14 مليار دولار).

هذا كلام مردود عليه يقول بلاجي، والدليل أن مجموعة التدابير التي اتخذتها الحكومة الحالية جنبت البلاد الخضوع لسياسة التقويم الهيكلي، ومن هذه الإجراءات إصلاح صندوق المقاصة، وإصلاح صندوق التقاعد، فضلاً عن تقليص عجز الميزان التجاري، وعموماً فلا خوف على الاقتصاد من الحصول على قروض وكل الدول حتى الكبرى تلجأ إليها".

شارك في التحقيق: سلام زيدان (العراق) ، أحمد عز (مصر)، محمد أبو عبد الله (الجزائر)، أحمد اليزيد (المغرب)

المساهمون