"شروخ" المساواة في الأسرة

04 يونيو 2020
هذه التدوينة قد لا أنشرها حال الفراغ منها، بل ستؤجل طويلًا، وقد لا تنشر بتاتاً. ليس لقصورٍ في المبنى أو المعنى، بل لئلا يظن أحدٌ أنه المقصود بذاته، وأن ما فيها من أفكار وملاحظات تتناوله من قريبٍ أو بعيد. إذ يتناول هذا المقال موضوعاً حساساً بعض الشيء، ليست حساسية الحياء والخصوصية، بل حساسية الممارسة غير المعقولة، ونكران ما نفعل، فهو يتحدث عن خلل صارخٍ في العلاقة الأسرية، وشرخٍ كبير يحدث في الأُسر، كل أسرة إلا من رحم ربي.

قضيتنا التي نتحدث عنها ها هنا، هي التعامل غير المنصف من الأبوين أو أحدهما مع أحد الأولاد، تقريباً ودلالاً وغنجاً ومحبة، أو غضباً وقسوة ونكراناً وجلافة، وإقصاءً متعمداً أو بلا وعي وانتباه. هذا الخلل لا يستوجب وجود جميع ما ذكرناه من وجوه وأمثلة، لكن وجود واحدةٍ منها كافٍ لإحداث هذا الشرخ، خاصة إن بقي أحد الأبناء ذلك الطفل المدلَّل المميز، مقابل أن يظل الآخرون - أو أحدهم - حبيسي حالة مبهمة من التعامل، وفي أقصى هذه الحالات، أن تصل إلى حدّ الإقصاء أو الإهمال.

وأود هنا التطرق إلى قضية متصلة وذات تأثير، فأعمال القلب وميوله لا يُمكن الإنسان بحالٍ من الأحوال التحكم بها. فالكُره والحب والإعجاب وما يتصل بها جميعها أفعالٌ قلبية، لا يمكن الإنسان لجمها، أو التحكم فيها، فهي مشاعر وميول ليس إلا، ولكن المرء يستطيع التحكم بنتائجها وما يصدر عنه من أقوال وأفعال، إلا أن تكون هذه المشاعر أقوى منه، ومتفوقة على إدراكه، فتخرج من غير إرادة منه، ولكن تكرارها يحولها إلى حالة دائمة، وسلوك متبع. أما عن نتائج هذه السلوكيات، بين اللدات والأقران، فقد بسط فيها المتخصصون دراسات كثيرة، لا يستوعبها المقام.


وأقول بناءً على مشاهدات كثيرة ومعاينة الكثير من العوائل من محيط الصداقة والزمالة والعائلة، وجود حالة مرضية يجب الوقوف عندها بتأمل، ألا وهي الاهتمام بفردٍ من أفراد الأسرة بشكل كبير وملحوظ، وتسليط الأضواء على كل تصرف وسكنة يقوم بها، في مقابل إهمال أو معاملة عادية للأفراد الآخرين، كانوا أبناءً أو إخوة، أو حتى ضمن بيئات العمل في بعض الحالات. لكن تركيزي في هذه التدوينة على الخلل الواقع بين الأبناء خاصة، فهو أصل هذه المشاكل، وأكثر خطراً وأشدها أثراً، وأغورها كلماً.

وكما أسلفنا الذكر بأن هذا الاهتمام - لا شك - وليد نزوع قلبي، فلا يمكن في حال من الأحوال أن يتعمد الوالد أو الوالدة الجنوح إلى أحد الأولاد في قولٍ أو فعل وتصرف، من دون أسباب ظاهرة، ولا أتحدث هنا عن الفارق بين الأولاد الذي ينعكس على الوالدين تعباً وإرهاقاً، وحملاً للهمّ، فلست أقارن هنا بين ولدين: الأول طيب خلوق، والآخر سيئ الخلق "أزعر" في لغتنا المحكية، يجلب لأهله العار أو المشاكل صباح مساء، بل أتناول الحالة الأعمّ بين ولدين يتشابهان، بل يتقاسمان الخلق والسمت نفسه، والحالة المادية نفسها.

وهنا تكمن العديد من علامات الاستفهام التي لم أهتدِ إلى الإجابة عنها، هل يرى الوالدان - أو أحدهما - أنه مخطئ، أو أنه عادل في تصرفه واهتمامه؟ وقد شكا لي مرةً أحد الأصدقاء أنه لا يعرف كيف يُرضي والده، فإن زاره يقلّ معه الكلام جداً، أما إن وجد أحد إخوته الأكبر خلال الزيارة ذاتها، فينسال الكلام سيلاً لا يتوقف، ويظلّ هو متفرجاً لا يدري ما يفعل أو يقول. ويشكو لي هذا الصديق أنه وصل إلى مرحلة لا يحب زيارة والديه، ويقول إنه لولا خشية العقوق، لما زار والديه إلا لماماً. وأعرف هذا الصديق حق المعرفة، بل هو من تلاميذي وتربطني به صلة طويلة جداً، وله من السمت والتميز الفكري والعلمي الكثير، إضافة إلى حسن خلق وتدين وأدب.

هذه الحالة المبهمة من الاهتمام المنصبّ على أحد الإخوة، تنعكس حالة من العزلة القسرية على هذا الفرد، فلا يُستشار أو يُلقى له بسر، وتظل حياته هامشية بالنسبة إلى أسرته، إما لأن الكلام والحديث لا يبسط إلا لمن هو أكبر منه سناً، أو أكثر منه أهمية، وإما لردة الفعل التي تحدث عنده، من استمراره في العزلة، والبعد رويداً رويداً، عن أي شؤون في الأسرة، وعلى الرغم من أنه ابتعد بقرارٍ منه، إلا أنه بعدٌ تسببه هذه الحالة من "ضياع المكانة".

ومن حالات التمييز الأخرى، الاهتمام المتراكم عبر السنوات، وهو اهتمامٌ ينطلق جراء تميّز علمي أو عند وجود سمات الجمال المتفوق، أو الذكاء المتوقد. وتبدأ هذه الرعاية المبالغ فيها منذ فترة مبكرة من حياة الأسرة، ولكنها - غالباً - تستمر حتى سنوات لاحقة. وعلى الرغم من انتفاء بعض هذه الأسباب أو جلّها، بعد مضيّ هذه الأعوام، يظل التمييز واقعاً، يتجلى - كما ذكرنا سابقاً - بالاهتمام والحديث، وتذكر مناسباته وشؤونه أكثر من غيره، وصولاً إلى الاحتفاء به بشكل أكبر مما يجري لأقرانه في الزيارة، بل تصل إلى حد الاحتفاء بما يجلبه من هدايا وطعام، في مقابل إهمال الجليل من الهدايا من الأبناء الآخرين.

وفي سياق البحث عن مقالات في هذا الباب، للاستفادة أولاً، ومحاولة تقديم الجديد ثانياً، مرّ معي كلامٌ لمربين عن أهمية العدل بين الأبناء، ووصفه بأنه واحد من ضمانات الاستقرار الأسري، إذ إنه يورّث في بعض الحالات كرهاً بين الأطفال، ويظل كامناً في نفوسهم حتى يتفجر بأقل سبب ممكن، فيتحول إلى قطيعة وخصام لأتفه الأسباب، ويصل في بعض الأحيان إلى نتائج لا تُحمَد عقباها، خاصة بعد انفراط عقد الأسرة ووفاة الوالدين.

وفي نقطة العقوق، أذهلني هذا الحديث النبوي الشريف. فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله لبشير بن سعد رضي الله عنه: "أيسرّك أن يكونوا إليك في البرِّ سواء؟ قال: بلى، قال: فلا إذاً"، في قضية تتعلق بالإنصاف بين الأبناء في العطاء، وهو ما يدلّل على أن الخلل في العطاء المادي أو النفسي يمكن أن يؤثر ببرّ أحدهم نتيجة الظلم الذي لحق به.

وفي حديث آخر أورد ابن حبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اعدِلوا بين أولادكم في النحل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البرِّ واللطف". وهذه الأحاديث تدل على أهمية إعانة الأبناء على البر من خلال منطلقات تُزرَع فيهم بنحو متدرج، ومنذ مراحل طفولتهم الأولى، لتكون النتيجة المرجوة تساويهم في البر والحب والصلة والتودد، وأن الخلل الذي يمكن أن يحدث جراء هذا الاختلاف وهذا القصور، سيوثر حتماً ببرّ الأبناء بأهليهم.

وأختم بكلامٍ قاله الإمام أبو حامد الغزالي، رحمه الله، يتحدث فيه عن هذه العلاقة بين الولد ووالديه، فيقول: "الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة خالية عن كل نقش وصورة، وهو قابل لكل نقش، ومائل إلى كل ما يُمال إليه، فإن عُوِّد الخير نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة أبواه، وإن عُوِّد الشر وأُهْمِلَ إهمال البهائم، شقي وهلك، وكان الوِزر في رقبة القيِّم عليه".

فيا رب ارزقنا الإنصاف والعدل بين أبنائنا، ليبرونا كباراً وعجائز، وارحم اللهم أهلينا بما قدموه لنا، ويسِّر لنا برَّهم، إنك سميع مجيب.

دلالات

تعليق: