"سوق سوداء": مسرحة المعاملات التجارية

15 نوفمبر 2019
الصورة
(من العرض)

أقامت النظريات الاقتصادية أسسها على علم الرياضيات، وبذلك فقد افترضت مفهوم "الإنسان الاقتصادي" Homo Economicus، والذي يقيم علاقته مع البضائع على أساس عقلاني، بحثاً عن أقصى درجة من الاستفادة ونأياً عن كل خسائر. كثيرة هي الأمثلة التي كانت تفنّد هذا التصوّر الذي بَنى عليه معظم الاقتصاديين مجمل أفكارهم، قبل أن يخلخلها بالخصوص علم النفس حين كشف بأن تصرّفات الإنسان غير محكومة بالعقل وحده، ثم دعمتها قدرات علم التسويق في تحويل وجهة الزبائن من بضاعة إلى أخرى وإقناعهم باقتناء ما لم يكونوا راغبين فيه.

تأتي مسرحية "سوق سوداء" (2019) للمخرج المسرحي التونسي علي اليحياوي لإضاءة بعض من هذه النقاط الغامضة في النفس البشرية، مع توفير خلفية جديدة بعيدة تماماً عن التنظير الاقتصادي، حيث يقيم عوالم مسرحيته ضمن مفردات المجتمع التونسي.

المسرحية التي أُنتجت بالاشتراك بين "المسرح الوطني التونسي" و"مركز الفنون الدرامية والركحية بتطاوين" تُعرض مساء اليوم على خشبة "مسرح المبدعين الشبّان" في مدينة الثقافة ضمن فعاليات "المهرجان الوطني للمسرح التونسي".

يختصر العمل العلاقات الاقتصادية، ومن ورائها الاجتماعية، في شخصين: تاجر وزبون، ليبني فضاءً مسرحياً يقوم بالأساس على النص؛ حيث يتحاور مُجسّدا العمل: علي بن سعيد ومحمد بن شعبان في إضاءة لعلاقات الإغراء والتمنّع والقهر والاستسلام، حيث تصبح المعاملات التجارية فضاءً يمكن فيه أن نرى بشكل جلي عمليات التحايل والخداع، وأيضاً محاولات المقاومة.

نقرأ في تقديم العمل: "هو لقاء تراجيدي بين ظلّين، بين رغبة ورغبة مضادة، بين النور والظلمة. بين تاجر وزبون خارج أنساق السوق الرسمية والفضاءات المعلومة ومواقيت الزمن الواقعي. دون أي تحديدات مسبقة من قبيل الاسم والذاكرة والطبائع".

لا يخفى أن العمل، وإن كان يبدو موغلاً في التجريد ومركّزاً على النص على حساب بقية الممكنات المسرحية، يلقي ضوءاً على المناخ الاجتماعي في الجنوب الشرقي من تونس، وهي منطقة محاذية للحدود الليبية نشطت فيها لعقود التجارة غير المقنّنة ضمن انسحاب الدولة من مسؤولياتها تجاه هذه المنطقة البعيدة عن المركز، وهو وضع خلق الكثير من العلاقات الاجتماعية المبنية حول "السوق السوداء" بمفاهيمها المختلفة عن المفاهيم التي تكرّسها الدولة من قبيل المواطنة والمصلحة العامة والتنمية العادلة وغيرها.

دلالات

تعليق: