"ذا ليون كينغ" 2019: إبهار فنيّ يفتقد الروح

18 اغسطس 2019
الصورة
استعانت الشركة بمخرج "كتاب الأدغال" جون فافرو (Getty)
منذ النجاح الكبير الذي حقّقته نسخة Live – Action لـ"كتاب الأدغال (Jungle Book)"، التي حقّقها جون فافرو عام 2016، بدا كأنّ "شركة ديزني" عثرت على منجم من الذهب، يتمثّل بإعادة إنتاج أفلام الرسوم الكلاسيكية المشهورة، الخاصّة بها، في نسخ "حيّة"، مع ممثلين ومؤثّرات خاصة، وليس بتقنية الرسوم المتحركة. تتالت الأفلام في الأعوام الماضية، محقّقة نجاحات متفاوتة: "سندريلا" و"الجميلة والوحش" و"دامبو" و"علاء الدين"، قبل بلوغ قمّة المشروع مع "ذا ليون كينغ" (الأسد الملك، The Lion King)، الذي أنجزه فافرو نفسه عام 2019، في إعادة للعمل الأصلي، الذي حقّقه الثنائي روب مينكوف وروجر آلّيرز عام 1994، فكان أحد أنجح أفلام الرسوم المتحركة في تاريخ السينما (بلغت إيراداته الدولية حينها 968 مليونًا و483 ألفًا و777 دولارًا أميركيًا، مقابل 45 مليون دولار أميركي ميزانية إنتاج)، والذي اعتبره كثيرون ذروة ما بلغته "ديزني" في أعمالها كلّها. كما أنّه جزء من ذاكرة جيل كامل وطفولته، الذي نشأ على تفاصيل تلك الحكاية الملحمية للحيوانات وشخصياتها، والذي حفظ حواره بالكلمة والحرف. لذا، إنْ كان نجاح النسخة الجديدة مضمونًا (حقّق مليارًا و343 مليونًا و818 ألفًا و717 دولارًا أميركيًا إيرادات دولية، بين 19 يوليو/ تموز و13 أغسطس/ آب 2019)، فالتحدّي الفني أعلى بكثير في الوقت نفسه، ما يطرح السؤال التالي: كيف تعاملت "ديزني" مع هذا كلّه؟
استعانت الشركة بمخرج "كتاب الأدغال" جون فافرو لتحقيق المشروع، واضعةً له أكبر ميزانية في تاريخها (260 مليون دولار أميركي). النتيجة التقنيّة مُبهرة إلى أبعد حدّ، إذْ تمّ تحقيق نقلة نوعية على مستوى المؤثّرات البصرية في السينما. قبل 7 أعوام، أنجز آنغ لي Life Of Pi، فأحدث ظهور النمر بكثافة ولقطات قريبة وشكلٍ حقيقي طفرةً مُبهرة. الآن، تخلق "ديزني" عالمًا كاملاً من الحيوانات المُنّفذة بفضل الكمبيوتر: مئات الكائنات الحية تصدّرت المشهد والبطولة، والنتيجة منعكسةٌ في صعوبة فصلها عن الأفلام الوثائقية الحقيقية في "ناشونال جيوغرافيك". ولعلّ التتابع الحرّ والشاعريّ في "الأسد الملك" لشعرة ساقطة من رأس الأسد "سيمبا"، حتّى وصولها إلى يد القرد "رفيقي"، ومرورها بكثير من الرياح والحيوانات، يوضح ما يمكن أن يمنحه تطوّر كهذا للسينما، إن أُحْسِن استخدامه. هذا البعد التقني يستحقّ الاحتفاء والتقدير، بمعزلٍ عن أيّ شيء آخر.

لكن المشكلة الحقيقية كامنةٌ في معضلة التعامل مع أصلٍ يمتلك شعبية وجودة قصصية: هل تُغيّر الشركة في تفاصيل الحبكة والأحداث والشخصيات (حذفًا أو إضافة)، مع المخاطرة بغضب مئات ملايين عشّاق فيلم الرسوم، أو تتّخذ الخيار الأسلم وتنفّذ المشروع كما هو، مع مخاطرة أخرى تكمن في فقدان الدهشة؟ اتّخذت "ديزني" الخيار الثاني: الفيلم إعادة مُطابقة للنسخة الأصليّة، حتّى بتقطيع المونتاج، وباللحظة التي ينتهي عندها مشهد ويبدأ آخر. الحذف والإضافة مقتصران على تفاصيل قليلة، كاختصار أغنية Be Prepared، التي يُغنّيها الأسد "سكار"، أو مطاردة الضباع لـ"سيمبا" عند ذهابه إلى مقبرة الأفيال. هناك إضافة أغنية أخرى لـ"نالا"، استغلالاً للأداء الصوتي للمطربة بيونسي، وكذلك بعض مشاهد Pride Lands أثناء حكم "سكار". هذه كلّها تفاصيل جانبيّة، بينما الفيلم برمّته لا يزال كالأصل.


فهل كون "الأسد الملك" الجديد نسخةً "طبق الأصل" عن النسخة القديمة جعله سيئًا، كما قال معظم النقّاد في هجومهم العنيف عليه؟ الفيلم الجديد ليس سيئًا، لكن المُشاهد، الذي يعرف الفيلم الأصلي، يُدرك بعد 10 دقائق أنْ لا شيء من التفاصيل سيتغيّر، وبالتالي يُركّز اهتمامه على التقنيّات، وعلى كيفية تنفيذ كلّ مشهد. أصبح الفيلم صورًا متحركة، مبهرة بدقّة تنفيذها، وليس عملاً يُثير رغبة في متابعة أحداثه أو التأثّر به، وخصوصًا أن قرار "ديزني" الالتزام بالواقعية الشديدة، أفْقَدَ الشخصيات ميزة التعبير البشري، كما في الأصل. وبالتالي، فالمَشاهد الدرامية الكبيرة كلّها فقدت روح الحدث، كما حصل مع موت "موفاسا"، وهذه إحدى أكثر اللحظات تأثيرًا في ذاكرة جيل كامل. ففي الأصل، هناك دموع "سيمبا" وصراخه وتعبيراته الخائفة والمذعورة، لكن تعبيره في الجديد جامدٌ كأسد حقيقي، ما أفْقَد اللحظة روحها. خلاصة القول إن مشاهدة الجديد بفضول، للمرة الأولى، ناتجة من رغبة الاطّلاع على المُنجز التقني. لكن، يصعب جدًا التفكير في مُشاهدته مرة أخرى، لأيّ سبب كان.

دلالات