"باريس عيد": عودة إلى وليمة هيمنغواي

28 ديسمبر 2016
الصورة
(هيمنغواي في عام 1944، تصوير: أنتوني بوتر)
+ الخط -

"إذا واتاك الحظّ بما فيه الكفاية لتعيش في باريس وأنت شابّ، فإن ذكراها ستبقى معك طوال حياتك أينما ذهبت، لأن باريس هي وليمة متنقّلة"، من رسالةٍ لإرنست هيمنغواي بعثها إلى صديق عام 1950.

"باريس عيد.. وليمة متنقّلة" هو عنوان الكتاب الذي صدرت منه طبعة جديدة عن "المركز الثقافي العربي"، بترجمة علي القاسمي الذي قرّر إعادة ترجمة هذا الكتاب بعد أن صار أكثر فهماً وإدراكاً لأسلوب إرنست هيمنغواي (1899-1961) الأدبي وشخصيته الساخرة التهكّمية، وبعد زيارة لباريس مسترشداً بكتاب هيمنغواي بنسختيه الفرنسية والإنكليزية.

ربما كان هذا الكتاب أحد كتب هيمنغواي المنسية، غير أنه عاد ليتصدّر واجهات المكتبات، بعد اعتداءات "الجمعة السوداء" التي شهدتها باريس مؤخّراً، ما دفع الناشر الفرنسي لإصدار طبعات جديدة تلبية للطلب المتزايد على الكتاب.

يمكن اعتباره من كتب السيرة الذاتية، إلا أنه دُوِّن بطريقة مبتكرة وأسلوب روائي يختلف عن أساليب الكتب التي سبقته من هذا الصنف الأدبي. يتذكّر فيه هيمنغواي الوقت الذي قضاه في شبابه بين عامي 1921 و1926 برفقة زوجته هادلي التي خصّها بفصول مهمّة في مذكّراته التي كانت محفوظة بفندق ريتز كارلتون بباريس.

يرسم الكتاب صورة عميقة ومتكاملة عن الحياة اليومية بباريس، خاصّة حياة الفنانين والكتّاب الذين كانوا يعيشون في باريس تلك السنوات التي سُمّيت بـ "سنوات الجنون"، لتصبح الرحلة الباريسية أشبه بالجلوس إلى مأدبة مع مجموعة من البوهيميين، في ظلّ أجواء العاصمة المجنونة.

يقع الكتاب في 19 فصلاً، استناداً إلى المخطوطة الأصلية التي وضعها هيمنغواي. سجّل صاحب "الشيخ والبحر" بطريقة ممتعة وساخرة في آن معاً تجاربه مع الطعام، والشراب، وسباقات الخيل، والفنون التشكيلية، وحكاياته مع زوجته هادلي ومع أصدقاء وكتّاب مثل سكوت فيتزجيرالد، وعزرا باوند، وت. س. إليوت، وجيمس جويس.

يتحدّث هيمنغواي في الكتاب عن أهمية الوصف، ويرى أن الأشياء تبدو حقيقية في الكتابة عبر تدوينها كما هي. لذلك يأخذ الوصف دوراً رئيسياً في صفحات الكتاب؛ وصف الشخوص، والمشاعر، والأماكن، والانفعالات، وحتى وصف طريقته الشخصية في الكتابة. يذكر هيمنغواي: "كنت أقول لنفسي: لا تقلق، لقد كنتَ تكتب دوماً ومن قبل وستكتب الآن، كلّ ما عليك أن تفعله هو أن تكتب جملة واحدة حقيقية، اُكتبْ أصدق جملة تعرفها. ثم كنتُ أواصل الكتابة من هناك".

تتأرجح المذكّرات بين الواقع والخيال الروائي، ويمكن قراءتها إمّا كسيرة ذاتية حقيقية لأشخاص عاشوا في حقبة زمنية معينة أو، ببساطة، كعمل إبداعي من أعمال هيمنغواي. سيجد كل قارئ متعته الخاصة في حكايات باريس، التي تختلف ذكريات كلّ شخص عاش فيها عن ذكريات رفاقه الآخرين. "لكن هكذا كانت باريس في الأيام الأولى عندما كنا فقراء جداً وسعداء جداً"، كما يقول هيمنغواي في نهاية كتابه.

دلالات

المساهمون