"النهضة" ومأزق الحكومة التونسية: 48 ساعة حاسمة في "الشورى"

09 نوفمبر 2019
الصورة
حققت النهضة فوزاً انتخابياً في التشريعيات (ياسين القائدي/الأناضول)
تعقد حركة "النهضة" التونسية، اليوم السبت وغداً الأحد، اجتماعاً حاسماً لمجلس الشورى فيها لتحديد موقفها النهائي من مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة. وسيكون على هذا الاجتماع أن يفصل في الاسم الذي ستقترحه "النهضة" لترؤس الحكومة وتقديمه للرئيس التونسي قيس سعيّد، وإن كان من داخلها أو لا، وإن كان رئيسها راشد الغنوشي كما تنص على ذلك قوانينها الداخلية أم غيره من القيادات. ولكن الأهم الذي سيكون على هذا الاجتماع حسمه هو توليفة الحكومة في حد ذاتها والأحزاب التي ستشكّلها. وتجد الحركة نفسها في مأزق حقيقي بهذا الخصوص، لأنها أعلنت منذ البداية أن أولويتها ستكون التفاوض مع ما سمتها بأحزاب الثورة، "التيار الديمقراطي" وحركة "الشعب" و"ائتلاف الكرامة"، وفي مستوى ثانٍ حركة "تحيا تونس"، ولكنها اصطدمت برفض كل هؤلاء باستثناء "ائتلاف الكرامة".

ولم تتوفق "النهضة" في مشاوراتها مع "التيار الديمقراطي"، وأعلنت، الخميس، أن لقاء ثانياً جمع رئيس الحركة راشد الغنوشي بوفد من "التيار الديمقراطي" ضم أمينه العام محمد عبو ونائبه محمد الحامدي، مؤكدة أن "التيار تمسك بمقاربته للحكومة القائمة على رفض ترؤس حركة النهضة الحكومة مع تمسكه بالوزارات الثلاث"، في إشارة إلى الداخلية والعدل والإصلاح الإداري. ووصفت الحركة في بيان لها اللقاء بـ"الإيجابي" من دون أن توضح مكامن هذه الإيجابية أمام هذا التمسك المطلق للتيار بكامل شروطه التي وُصفت بالتعجيزية.

وكشفت "النهضة" أيضاً أن حركة "الشعب" تصر على عدم المشاركة في حكومة ترأسها "النهضة". وكان القيادي في "الشعب" خالد الكريشي قد أشار في تصريح صحافي إلى "أن الكرة في ملعب النهضة وننتظر قرار مجلس شورى الحركة وماذا سيقرر؟"، وأنه "إذا قررت الحركة اختيار شخصية من داخلها فلن نكون في الحكومة ولن نمنحها ثقتنا في البرلمان، سواء لرئاسة الحكومة أو رئاسة البرلمان أو الحكومة التي ستشكلها. وبإمكان النهضة إشراك قلب تونس كغيره من الأحزاب البرلمانية، أما مشاركتنا في حكومة فيها قلب تونس فذلك متروك للأحداث ولكل حادث حديث".

ولم تتخلّف حركة "تحيا تونس" عن المناخ السائد، إذ أكدت مرة أخرى إثر اجتماع هيئتها السياسية، أنها غير معنيّة بالمشاركة في الحكومة "احتراماً لنتائج الانتخابات التشريعية وانسجاماً مع مُقتضيات الدستور". وحذرت من أنّ تعطّل مسار تشكيل الحكومة "ستكون له انعكاسات سلبيّة على سير عجلة الدولة ورعاية مصالح المواطنين، وسيؤثّر على التزامات تونس مع شركائها الدوليّين ومصالحها". واقترحت في المقابل، تشكيل "حكومة مصلحة وطنية ترتكز على برنامج إصلاح وطني تعمل على مواصلة تفعيل الإصلاحات الكبرى وتواصل الحرب على الإرهاب والفساد، وتستجيب لتطلّعات الشعب، يشارك فيها طيْف سياسي وطني واسع وتحظى بدعم المنظّمات الوطنية، توفيراً لأكثر أسباب النجاح والقدرة على مجابهة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة".

وقالت "تحيا تونس" إن مقترحها يأتي "مساهمةً في حلحلة التأزّم السياسي الراهن الذي يمكن أن يعطّل تكوين الحكومة المقبلة"، داعية كل الأحزاب والقوى الوطنية لـ"تحمّل مسؤولياتها التاريخية بالتخلي عن المنطق الحزبي الضيق والمحاصصة حِمايةً لمسار الانتقال الديمقراطي والاستقرار السياسي في البلاد"، وفق نص البيان، وهو ما يعني بوضوح أنها تدعو أيضاً إلى حكومة لا ترأسها "النهضة" وربما لا تشكلها أيضاً وقد تكون مشاركتها فيها شكلية لا غير.

أمام هذا الرفض العام، تبدو "النهضة" عاجزة عن تشكيل حكومة إلا إذا رضخت لشروط الجميع في الوقت نفسه، وهو ما يبدو مستحيلاً من خلال هذه المواقف المتباينة حتى لو أرادت ذلك، بالإضافة إلى أن "النهضة" وضعت نفسها في مأزق حقيقي بإعلان شرطين رئيسيين قبل انطلاق المشاورات، أن ترأس الحكومة وتشكلها بنفسها، وألا يكون ذلك مع حزبي "قلب تونس" و"الحر الدستوري".

ولا تخفي قيادات من الحركة تحدثت لـ"العربي الجديد"، تحفّظها على هذه الشروط وتوقيتها، ولئن كان من المنطقي عدم التحالف مع "الحر الدستوري" الذي يجاهر بعدائها ويدعو إلى إقصائها، فإن هذه القيادات تشير إلى أن الوضع مختلف مع "قلب تونس"، فكتلته النيابية وموقعه في البرلمان جاءا بعد انتخابات رضي بها الجميع ولا يمكن الالتفاف على نتائج الصندوق وقبول بعض نتائجه واستثناء أخرى، فذلك ضد الديمقراطية.

وبقطع النظر عن هذه المواقف، تبدو "النهضة" في ورطة حقيقية بعدما حصرت المشاورات في "التيار الديمقراطي" و"الشعب" و"ائتلاف الكرامة"، ووجدت نفسها تحت ضغط شروطهم المجحفة، حتى كادت تصبح معزولة أمام هذا الرفض العام لترؤسها الحكومة، على الرغم من أن هذا يعتبر قفزاً فوق الدستور وقوانينه الواضحة ترتكبه هذه الأحزاب.

وتدخل "النهضة" مجلس شوراها بحيرة كبيرة، فقد أكد هذا المجلس في اجتماعه الأخير على ضرورة أن تتولى "النهضة" قيادة الحكومة بأغلبية 95 صوتاً مقابل ثلاثة، وأقنعت أنصارها بذلك، ولا يُعرف كيف ستتراجع عن ذلك الآن وتقنعهم مرة أخرى بالعكس. بالإضافة إلى أنها ستناقش مسألة تموضع رئيسها راشد الغنوشي بين البرلمان والحكومة في غياب أفق لتفاهمات مع بقية الأحزاب حول هذا الموضوع حالياً، على الرغم من أن بعض أصدقاء الحركة نصحوا بعدم تقدّم الغنوشي لمنصب رئيس الحكومة، بحسب ما تردده كواليس الحركة.

ويبدو أن "النهضة" مصدومة من هذا الرفض الذي شمل أغلبية الأحزاب، ولكنها ستحتاج إلى أفكار جديدة وإلى تغيير استراتيجيتها بالكامل للخروج من هذه العزلة وقلب المعطيات لصالحها، وعلى الرغم من هذه الوضعية المقلقة حالياً إلا أنه لا تزال بيدها أوراق كثيرة لتناور بها في الشهرين المقبلين، بعد تكليفها رسمياً من قِبل قيس سعيّد إثر الإعلان عن النتائج النهائية للانتخابات، ولكنها ستكون أمام ضغط الوقت، إذا ربطت رئاسة الحكومة برئاسة البرلمان لأنه لا تفصل إلا أيام قليلة عن الجلسة الافتتاحية للولاية النيابية الجديدة. وربما تبدأ "النهضة" بإحراج الأحزاب الرافضة للعمل الحكومي أمام الرأي العام الوطني، في حين أنها يمكن أن تذهب إلى الأقصى بالجميع لإعادة الانتخابات، مع ما يعنيه ذلك من كلفة للجميع ومغامرة غير محسوبة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، فضلاً عن الثمن الوطني الباهظ الذي سيدفعه التونسيون وهم يتابعون هذا العناد السياسي المتبادل.