"الكنز الحب والمصير"... فيلم أم كتاب مدرسي وعظي؟

29 اغسطس 2019
الصورة
اعتمد الفيلم على أسماء جماهيرية مثل رمضان (Getty)
+ الخط -
في عام 2017، عُرض الجزء الأول من فيلم "الكنز"، الذي حمل عنوانًا جانبيًا هو "الحقيقة والخيال". كان رهانًا إنتاجيًا ضخمًا وغير معتاد، يقف وراءه المخرج شريف عرفة، ساردًا أربع حكايات تدور في أزمنة مختلفة، منذ العصر الفرعوني، حتّى قاهرة سبعينيات القرن الـ 20. أحداث الفيلم امتدّت على خمس ساعات، قُسِّمت إلى جزأين. تجاريًا، كان الرهان على وجود "اسم جماهيري"، هو محمد رمضان، ومعه نجوم، أمثال محمد سعد وهند صبري وغيرهما.
نتيجة هذه التجربة، كانت فشل كل شيء. فنيًا، استُقبل الفيلم بفتور، وأُخِذ عليه بطء الإيقاع، وضعف التنفيذ، واتّساع مساحة الوعظ والخطابة الضخمة، في فيلم يدور حول "كنز" القومية المصرية. تجاريًا، كان الفشل في شباك التذاكر، إذْ لم تكفِ أسماء نجومه لتحقيق أي إقبال جماهيري، ما وضع صنّاعه في ورطة حقيقية إزاء موعد عرض جزء ثانٍ لعملٍ، فَشل الجزء الأول منه. ارتباك كهذا أدّى إلى تأجيل العرض عامي 2018 و2019، كأنّه أصبح فيلمًا لا يريده أحد، ويستكمل حكاية لا يهتم الجمهور بها.
يبدأ الجزء الثاني، وعنوانه الجانبي "الحب والمصير"، من حيث انتهى الجزء الأول؛ فيُكمل حكايات عصوره الأربعة: الملكة حتشبسوت في العصر الفرعوني، والبطل الشعبي علي الزيبق في العصر العثماني، وبشير الكتاتني، رئيس القلم السياسي في فترة الحكم الملكي، قبل يوليو/ تموز 1952. وأخيرًا حسن، ابن بشير، الذي يسترجع تلك الحكايات عبر وثائق وأشرطة فيديو في السبعينيات الفائتة، بحثًا عما يجمع تلك القصص للوصول إلى الـ"كنز" الذي وعده أبوه به.
هناك مشاكل عديدة في كلّ تفصيل، رئيسي أو فرعي، أوضحها الشكل الضعيف على مستوى الديكورات والملابس، في عمل يُفترض به الدقّة في بُعده التاريخي؛ أو التنفيذ الكرتوني والتلفزيوني جدًا على مستوى المعارك، في فيلم يفترض به أنْ يكون ملحميًا، وأنْ يُعيد سيرة بطل شعبي إلى السينما؛ أو على مستوى المونتاج والكتابة، الذي لا يكتفي بالتقاطعات العامة في القصص الثلاث الدائرة حول السلطة وتأثيرها على الأفراد وحيواتهم، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، لكنه يُصرّ على التنقّل بين الأزمنة في أكثر الأشكال ركاكة، وبقرار تطابق التحدّيات والفصول والأحداث، ما يجعل المتفرّج يُدرك ما سيحدث مع كلّ زمن، وصولاً إلى الأداء المفتعل للممثلين، في حوار خطابي، وشخصيات تفتقد أي روح.
مع هذا كلّه، هناك مشكلتان في الفيلم، بجزأيه الاثنين، وهما الأبرز على الإطلاق:
الأولى، أنّ قرار سرد ثلاث حكايات، يُفترض بها أنْ تكون "ضخمة"، أدّى إلى تقافز درامي دائم في كلّ حدث، والاعتماد على الحوار بدرجة كبيرة للتعبير عن مشاعر الشخصيات، وأحيانًا الأحداث التي يمرّ بها الجميع من دون أن تظهر على الشاشة. كما أنّه لا توجد مساحة كافية لاستيعاب أي حدث بشكل حقيقي، أو تفهّم انفعالات شخصية ما وتصرّفاتها، نظرًا إلى اعتقاد صنّاع الفيلم أنّ الرسالة الكبرى للفيلم أهم من هذا كلّه، وبالتالي هناك دراما غير منطقية، وأحداث متوقّعة، ومقدّمة ذات شكلٍ مسرحي، في فيلم يُفترض به أنْ يكون ملحميًا وضخمًا.

الثانية، تحوّل الفنان إلى واعظ، والفيلم إلى أداة خطابة أكثر منه إلى عمل فني. هذه مرحلة يمرّ بها شريف عرفة حاليًا، إنْ في "الكنز" بجزأيه الاثنين، أو في "الممر"، الذي عُرض قبل أشهر قليلة؛ إذْ أصبح الهاجس هو الضخامة والأهمية والرسالة المُقدّمة واليقين الشديد بحتميّته، فتضمحل مساحة اشتباك الصانِع بوجهة نظره مع الواقع أو التاريخ (كما فعل عرفة في أفلامه القديمة، التي تعاون على تحقيقها مع وحيد حامد تحديدًا)، وقرّر أن يكون عمله أشبه بكتب مدرسية رسمية، تحمل رسالة ويقينًا.
هذا ينطبق تمامًا على "الكنز" بجزأيه الذي يُكمِّلان بعضهما البعض.

دلالات

المساهمون