"الشريعة" في وطن "الرّمادة"

03 مايو 2014
الصورة
+ الخط -

"سأُطبّقُ الشّريعةَ الإسلاميةَ وأحكامَهَا بما يتَناسبُ مع المُجتمعِ والواقعِ الآن".. هكذا استهلّ مُرتضى منصور رحلته نحو الترشّح لانتخابات الرئاسة المصرية، قبل أن يبدي تراجعاً مبكراً، حين أعلن أنه سيصلّي "الاستخارة"، من أجل الانسحاب من السّباق؛ أي أنه بدأ الرحلة بـ"الشريعة"، وختمها بـ"الصلاة".
تُرى هل كان الرجل يداعب سذاجة حزب النور، الذي أعلن، أولاً، أنه سيدعم مَن يطبّق الشريعة؟ ثم بدا له أن الحزب سيُكيّف نفسه، كيفما اتّفق، مع دعم عبد الفتاح السيسي، بعد تصريحات سلفيّة تراجعت إلى مستوى أن الحزب سيساند المرشّح "الأكثر تديّناً"؟
استثمار مصطلح "الشريعة"، مُطعّماً بالشعارات الدينية، وتصدير عبارات التّديُّن والصلاح والتقوى، كان دائماً سيد الموقف في البيئة السياسية المصرية، حيث الناخبون البسطاء لا يعرفون معنى "برنامج انتخابيّ"، محدد الملامح، قابل للنقد والتقييم، ولا يفرّقون بين مجلس تشريعي ومجلس بلدي. حينئذ، يندفع التيار الإسلامي لدق طبول المعارك نحو غزوات الصناديق، فتنزعج الأقليات الدينية والتيارات العلمانية التي تتّحد، فتحشد قواها لمقاومة الإسلاميين، وشعاراتهم المفزعة.
الإسلاميون يدافعون عن مصر، لأنها "إسلامية بطبعها"، والمسيحيون يدقّون أجراس كنائس المقاومة، لأنها "مسيحية بطبعها"، والعلمانيون يهتفون بأنها "علمانية بطبعها"!، متغافلين جميعاً عن أن مصر، في ظل هذا النزاع، أصبحت "لا شيء.. بطبعها"! فهم لا يحملون أيديولوجيا، بقدر ما يحملون حسّاً شعبيّاً تجارياً يستثمر الشعارات المناسبة لنوعية المستهدفين، تماماً، مثل "بائع الطيور" الذي يجتذب زبائنه في الأحياء الشعبية بالعبارة القرآنية المنقوشة على واجهة دكانه: "ولَحْمِ طَيرٍ مِمّا يَشْتَهُون". أو جزّار (قصّاب) استثمر تقنية "الفوتوشوب" ليضع خلفه صورة مُكَبَّرة للكعبة المشرّفة، وهو يذبح عِجْلاً، أو قناة فضائية "تأخذك إلى الجنة"!
يدرك السياسيون أن للشعار الديني دوراً تعبوياً فاعلاً في صراعاتهم. هكذا صرّح في مذكراته مؤسس الصهيونية، تيودور هرتزل، ولم يكن لزرع "إسرائيل" ونجاح مؤسسيها في تثبيت أركانها، جغرافياً وسياسياً واقتصادياً، علاقة بأن الشعب اليهودي "متديّن بطبعه"، فقد ذاق أنبياء الله على أيديهم ما لا يحتمله إلا صفوة خلق الله من الأنبياء والمرسلين، وفقاً للتوراة والإنجيل والقرآن. وكان هرتزل نفسه علمانياً، وكتب في يومياته: لا أخضع لأي وازع ديني.
عموماً، لم يضع الإسلاميون برامج واضحةَ العلاقةِ بالشريعة التي يطالبون بتطبيقها، لا في مصر ولا في غيرها، والكيانات التاريخية التي نادت بـ"الشريعة" صنعت نماذجَ أقرب إلى طبيعتها الاجتماعية، من الفكرة المثالية، والتي لم تتبلور أساساً في غير الشعارات، فوجدنا نظاماً إسلامياً سعودياً، يعادي نظاماً إسلامياً إيرانياً، وكلاهما يعاديان نظاماً إسلامياً طالبانياً.
لا تزال فكرة "الشريعة" غامضة ودعائية، بصورة تجعلها ذات أبعاد عاطفية، أكثر منها برنامجاً واضحاً، حيث يسهل التفلّت من التزاماتها وقت الحاجة. والمرشح "الزملكاوي" المنسحب، مرتضى منصور، تجاوز فكرة تطبيق "حدّ السرقة" في حديثه عن الشريعة، حين حاول أن يجتذب إليه الفقراء واللصوص قائلاً: كيف أقطع يد السارق في مجتمع يأكل فيه الفقراء من صناديق القمامة، مستدلاً بالخليفة عمر بن الخطاب، وفقاً لرواية تاريخية "متداولة"، تشير إلى أن الخليفة عطّل حدّ السرقة في عام "الرمادة"، حين بلغت الفاقة والعوز حدّاً لا تستطيع الدولة في أثنائه أن تلبي احتياجات مواطنيها.


ولأسباب معروفة، كانت الانتخابات الرئاسية السابقة تموج بالحديث عن "الشريعة"، وكان "النيولوك" الإسلامي أقصر الطرق لاجتذاب الناس، فلم تستغنِ حملات المرشحين عن الحديث عن "تطبيق الشريعة"، بدءاً بعمر سليمان، مروراً بأحمد شفيق، وحتى عمرو موسى. (أيْ واللهِ: عمرو موسى).
ربما تغيّر الوضع كثيراً في هذه الانتخابات، المحسومة سلفاً، فقد أُعلِنَ الفائز، لكن تبقى مراسم التتويج التي تبدأ بفتح باب الترشّح، من أجل تنافس حقيقي على "المركز الثاني". لذا، ليس المرشّح الفائز في حاجة إلى اجتذاب الناخبين بإعلان أنه سيطبّق الشريعة، أو القيام برحلات مكوكية للمحافظات، لإقناعهم ببرنامجه، فالناخبون ما بين مضمونٍ لا خيار لديه، ومقهورٍ لا صوت له. كما أن الناس لم تعد تعبأ بتطبيق "حدّ السرقة"، بقدر ما يتوقون إلى تجاوز سنوات "الرمادة" التي لا تنتهي، حتى أصبحت مصر، المضيافة، وطناً للرمادة. فمرتضى منصور، قبيل انسحابه، لاحظ دور الحكومة الانتقالية المشهود في توريط مستقبل الدولة في قرارات اقتصادية غريبة، وقوانين تمرّرها خلسةً لصالح رجال الأعمال، واتفاقات غامضة مع شركات دولية، وتقارير تؤكد تردّي الوضع المالي، وهي فرصة متاحة للانقضاض على شعبية السيسي؛ حيث سخر منه قائلاً: قاعد تقول لي نور عيني، وحبيب عيني.. والبلد بتضيع". وأن على الشعب الاكتفاء بأغنية "ما تقولش إيه اديتنا مصر"!
يبقى أنه لا يوجد، وفق أدوات البحث والنقد التاريخي، ما يثبت صدق الخبر المشهور بتعطيل عمل حدّ السرقة "عام الرمادة"، لكن، يبدو أن التاريخ يستعدّ، الآن، ليثبت أننا مقبلون، وفقاً للتقارير المحلية والدولية، على عصر "رمادة" متكامل! ويشهد علم الاجتماع أن "عصر الرمادة" لا يحصل فيه اللصوص على عفوٍ "عُمَريّ"، ليس لأن الخبر ضعيفٌ، ولكن، لأنّ "وُلاة الأمر" وأولياءَهم لا ينتظرون عفواً من أحد.