"الحوار الوطني" يحرر ماكرون من أزماته مؤقتاً

"الحوار الوطني" يحرر ماكرون من أزماته مؤقتاً

15 مارس 2019
الصورة
عادت شعبية ماكرون للارتفاع نتيجة الحوار (نيكولا توكا/فرانس برس)
+ الخط -
يُجمِع الكثير من الساسة والفاعلين والمراقبين في فرنسا، على أن حركة "السترات الصفراء"، خلخلت الوضع السياسي والاجتماعي في فرنسا، وصنعت واقعاً جديداً استدعى إجابات لا مناص منها، ودفع لإطلاق "الحوار الوطني الكبير"، الذي اكتشف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن لا مخرج للأزمة المستفحلة من دونه.
هكذا انطلق "الحوار الوطني الكبير" في 15 يناير/كانون الثاني الماضي، بعدما أعلن عنه ماكرون في 10 ديسمبر/كانون الأول الماضي، في ظل تسخير إمكانات هائلة له من قِبل الحكومة، أثارت تساؤلات من المعارضة، فيما تنتهي مرحلته الأولى اليوم الجمعة، وإن كان ماكرون أعلن عن مواصلته لقاء مواطنيه في أقاليم فرنسا، التي لم يَزُرها من قبل، بعد هذا التاريخ. ثم تبدأ المرحلة الثانية من الحوار، التي تجعله يمتد إلى إبريل/نيسان المقبل، وخلالها تُنظَّم مؤتمرات وطنية، ثم مؤتمرات مواطنية إقليمية، بمشاركة 100 مواطن يتم اختيارهم عبر القُرعة، قبل أن يصل الحوار الوطني إلى البرلمان الفرنسي كي يدلي نواب الأمة، أيضاً، بآرائهم واقتراحاتهم.

ومع نهاية الجولة الأولى من الحوار، لا يمكن للرئيس الفرنسي وحكومته سوى إبداء الارتياح لمساره والأجواء التي أجري فيها والإقبال الشعبي غير المسبوق على حضوره والمشاركة فيه ومساءلة المسؤولين. والدليل على نجاحه، في نظر الحكومة، تنظيم 10 آلاف اجتماع في شهرين، إضافة إلى مليون و400 ألف مشاركة في المنصات المخصصة لهذا الأمر. ويبدو ماكرون الآن في وضعية مريحة تسمح له بمعاودة تنقلاته الدولية واستعادة دوره الأوروبي، بعد فترة صعبة ظل فيها صامتاً بين جدران الإليزيه، مثيراً مخاوف جدية في عائلته السياسية.

استجابة تريح ماكرون
أطلق الرئيس الفرنسي هذا الحوار بخطاب سعى فيه لتأكيد إحساسه بالمسؤولية، إذ استعرض الظروف التي تعيش فيها فرنسا، وهي "حقبة تساؤلات وشكوك، تستوجب التذكير بمن نكون"، وفق قوله، مضيفاً "فرنسا ليست بلداً كالبلدان الأخرى، وحسّ الظلم فيها أكثر توقّداً منه في أماكن أخرى، وضرورة التعاضد والتضامن فيها هي الأقوى". ثم تحدث عن تميّز فرنسا، قائلاً "إنّ من يعمل هم من يُموّلون معاشات المتقاعدين. وإن عدداً كبيراً من مواطنينا يدفعون الضريبة على الدخل، وأحياناً تكون ثقيلة، وهو ما يَحدّ من التفاوتات. التعليم والصحة والأمن والعدالة، في بلدنا، في متناول الجميع، بمعزل عن الوضعية وعن الثروة. وتقلبات الحياة، مثل البطالة، يمكن تجاوزها، بفضل المجهود المتقاسَم بين الجميع. ولهذا السبب، تتميز فرنسا، على غيرها من الأمم، بكونها الأكثر أخوّة والأكثر مساواة".

في الجهة المقابلة، جاءت استجابة الفرنسيين للحوار إيجابية، فشاركوا بفعالية، وطرحوا كل تساؤلاتهم في كل المواضيع، من دون أي خوف أو محرّمات، على الرغم من أن الحكومة كانت قد حاولت وضع عناوين رئيسية من أجل تأطير الحوار وضبطه. كما أن وسائل الإعلام الفرنسية شاركت في الترويج للحوار، ونقل "إنجازات" ماكرون الخطابية فيه، إذ كان يظل لساعات طويلة وهو يناقش ويرد على تساؤلات المواطنين. وهو ما أثّر على شعبيته، التي بدأت تتعافى، بعد أن وصلت في الأسابيع الأولى من حراك "السترات الصفراء"، إلى مستويات غير مسبوقة من الانحدار.

والأمر بشكل عام جيد، في نظر الحكومة، على الرغم من أن المرحلة المقبلة، أي مرحلة الكشف عن التوصيات النهائية، سينظر إليها الفرنسيون باهتمام كبير، ففي إبريل/نيسان المقبل، سيعلن ماكرون في خطاب إلى الأمة عن المَحاور الرئيسية للجواب الحكومي والاتجاه الذي سيكون على الحكومة السير فيه. ولا يزال ماكرون متردداً، حتى الآن، في دعوة الفرنسيين إلى استفتاء شعبي للتصديق على نتائج الحوار. وهي نتائج لن يكون الجميع راضين عنها، خصوصاً مع حرص الرئيس الفرنسي على عدم الانحراف بعيداً عن برنامجه الانتخابي الذي أعلنه في رئاسيات 2017، وهو ما عبّر عنه وزير الجماعات الإقليمية سيباستيان لوكورنو، في حديث صحافي قبل أيام، بالقول: "يجب البقاء في الخط الذي يُشكّل الحمض النووي للماكرونية". مع ذلك يظل هذا الأمر صعباً، وهو ما أعلنه لوكورنو، قائلاً إنه "يجب توقّع مفاجآت"، إذ "ثمة مواضيع طُرحت بقوة، مثل القضية الضريبية، والديمقراطية، بما فيها الاستفتاءات المواطنية، وإعادة تنظيم المصالح العامة، ومكافحة المضاربات، والوصول السهل إلى العلاج، وقضية الهجرة، ووضع حد لامتيازات الأقلية في كثير من القطاعات، وغيرها".

حذر "السترات الصفراء"
في ردّ أولي على اقتراح ماكرون الحوار الوطني، أعلنت غالبية تيارات "السترات الصفراء" رفضها لهذا "الفخ" و"ضياع الوقت"، وأكدت مواصلة الاحتجاجات. ولكن صعوبة أي احتجاج تكمن في القدرة على الاستمرارية فيه، بتبعات وتضحيات مقبولة يمكن تحمّلها. وهنا راهن ماكرون، الذي حرص في مناسبات كثيرة على عدم التفوّه بكلمتي "السترات الصفراء"، على عامل الوقت، وعلى إنهاك المتظاهرين، مع تغليب المعالجة الأمنية، وما تتضمنه من تشدد أمني وقضائي، تسبّب في جرح المئات وإيقاف واعتقال آلاف، ثم تكلَّل بقانون برلماني صارم ضد مثيري الشغب، تم إقراره الثلاثاء الماضي بصفة نهائية. ولكن سرعان ما بادر ماكرون، وأيضاً قوى المعارضة، لطلب رأي المحكمة الدستورية، لإبداء موقفها بخصوص بعض بنود القانون.

ومن الملاحظ أن حراك "السترات الصفراء" ضمّ شرائح مجتمعية مختلفة، ليست متقاربة المصالح بالضرورة، فبعض أطرافها رأت أن مطالبها تحققت عندما أفرج ماكرون عن أكثر من 10 مليارات يورو، لدعم "القدرة الشرائية"، فانسحبت من ساحات الاحتجاج. فيما البعض الآخر وضع ثقته في الحوار الوطني، ومنهم من شارك فيه، بينما ظلّ آخرون في الحراك، تحركهم المطالب نفسها، إضافة إلى حقد كبير وشخصي على ماكرون، وهو ما عبّروا عنه في مطالبتهم المستمرة باستقالته.

وعلى الرغم من أن حراك "السترات الصفراء" لا يزال مستمراً، فيما المحتجون يستعدون لجولة ثامنة عشرة يوم غد السبت، تتزامن مع الانتهاء الرسمي للحوار الوطني، إلا أن حجم المتظاهرين أقل بكثير مما عرفته الأسابيع الأولى للحراك. كما أن الالتفاف الشعبي حوله في تناقص متواصل، وهو أقل من 50 في المائة، ويمكن إرجاعه للوهَن الذي أصاب المتظاهرين، وإلى تضحياتهم الاقتصادية المكلفة، وأيضاً إلى العنف الذي صاحب التظاهرات، والذي وجد صدى كبيراً له في أغلبية وسائل الإعلام، التي تشكو عنفاً وكراهية تجاهها من قِبل بعض المتظاهرين.


ولكن لا يبدو أن نقص المتواجدين في التظاهرات، يُخفف من عزم وتصميم بعض المتظاهرين على مواصلة الحراك، وهو ما عبّر عنه بنجامين كوشي، أحد وجوه تيار "السترات الصفراء"، الذي أكد لـ"العربي الجديد" أن "الحراك، على الرغم من كل ما مر فيه، وما سيعرفه، نجح في الدخول في وعي وأذهان الفرنسيين". وعلى الرغم من أنه لم يشارك في الحوار الوطني الكبير، إلا أن كوشي شدد على أن "ماكرون يعرف الآن، وبفضل الحراك، الوضعية الصعبة للكثير من الفرنسيين، ولا يمكنه أن يظل غير مبالٍ تجاه معاناتهم"، كما أن من "واجب الحكومة اتخاذ قرارات حاسمة، لمعالجة معاناة شرائح شعبية، لا تجد ما تنفقه بعد مرور أسبوعين من كل شهر".

موقف ناشطي الحراك من نتائج الحوار الوطني، لخّصه الناشط جان بيار، من فرع مدينة مونتْرُوي، وهو من تيار "السترات الصفراء" (فرنسا الغاضبة)، وزميل لجيروم رودريغيز، الذي فقأ مقذوف أطلقته قوى الأمن عينه اليمنى، بالقول: "على الرغم من أننا لا نثق في رئيس الأثرياء، إلا أننا نرحب بأي دعم حقيقي للقوة الشرائية للمواطنين الموجودين في حالة هشاشة اجتماعية"، ولكنه شدد على أن الحذر ضروري، فـ"الطبقة السياسية الفرنسية، على مرّ عقود، لم تحترم التزاماتها ووعودها، فكيف سنصدّق بسهولة ماكرون؟".
ويعرف ناشطو "السترات الصفراء" أن ما يطالبون به يحظى بتفهّم الشعب الفرنسي، وحتى ماكرون وأغلبيته البرلمانية يعترفون بهذا، وهو ما عبّر عنه الوزير اليميني الأسبق، المفوض السامي لإصلاح التقاعد لدى وزيرة التضامن والصحة، جان بول ديليفوا، قائلاً في حديث صحافي: "من الصعب أن يكون المرء فقيراً في بلد غني، وأن يكون المرء حاصلاً على شهادات جامعية عليا ويحصل على الحد الأدنى للأجور"، مضيفاً أن ما يحدث هو "تمرد المُهانين".

معارضات تُراهن على فشل الحوار
أما المعارضة الفرنسية، فلا تتمنى نجاح هذا الحوار الوطني الكبير، وهي التي تراهن على أن تجعل من الانتخابات الأوروبية المقررة في 26 مايو/أيار المقبل، امتحاناً لشعبية ماكرون، وقدرته على قيادة بلد في أزمة. ولا يأتي الرهان فقط، من حزب مارين لوبن "التجمع الوطني"، الذي يتواجد مع حزب الأغلبية الرئاسية "الجمهورية إلى الأمام" في صدارة استطلاعات الرأي، حتى الآن، (21 مقابل 22 في المائة)، والذي تريد زعيمته خوض جولة انتخابات ثانية ضد ماكرون، بعد الدورة الثانية من رئاسيات 2017.

ولعلّ أكثر شيء يثير انتقاد المعارضة، هو الحضور الإعلامي الكبير لماكرون، إذ تقوم مختلف القنوات التلفزيونية بعرض مداخلاته، أو كما عبّر عنه رئيس الفريق البرلماني لحزب "الجمهوريون" كريستيان جاكوب، "ما بين 6 و7 ساعات من مونولوغ رئيس الجمهورية"، مهدّداً باللجوء إلى "المجلس الأعلى للسمعي البصري". هذا الأمر نفذته أحزاب معارضة، ولكن المجلس أعلن في 11 مارس الحالي، أن "مداخلات الرئيس ماكرون تندرج في الوقت المسموح له".
هذا الحضور الرئاسي الطاغي، "لا يخدم الحوار الوطني، بقدر ما يخدم الرئيس وأغلبيته في أفق الانتخابات الأوروبية والانتخابات الرئاسية عام 2022... والحوار الوطني ليس سوى محاولة لربح الوقت من قبل الرئيس وأغلبيته"، كما تقول لـ"العربي الجديد" ليلى الشيبي، القيادية في حزب "فرنسا غير الخاضعة" (برئاسة جان لوك ميلانشون)، والمرشحة في الانتخابات الأوروبية المقبلة.

ولا يختلف الحزب الاشتراكي عن الأحزاب الأخرى في إدانة الحضور الطاغي لماكرون، مؤكدا أنه "ليس مخدوعاً من نوايا الرئيس ماكرون"، ومطالباً الرئيس بـ"معاودة التفاوض مع الشركاء الاجتماعيين، وألا يلتفّ من حولهم"، أي النقابات التي حاول ماكرون تهميشها في الإصلاحات التي قام بها في السنة الأولى من ولايته، ومنها قانون العام.
وإذا كان الحزب الإيكولوجي، أكثر تسامحاً مع الرئيس، ومؤيداً للحوار الوطني الكبير، كما أن رئيسه، يانيك جادو، بادر أكثر من مرة لمطالبة "السترات الصفراء" بالعودة إلى بيوتها، إلا أنه يرى أن ماكرون يبالغ في إطلالته الإعلامية، وبالتالي فلا يجب "أن يندرج ما يقوم به في حملة 2022 للرئاسيات".

وعلى الرغم من تفاؤل السلطة بالحوار، يبقى أن الاستجابة لكل طلبات الفرنسيين الهائلة، أمر غير ممكن، وسيكتشف ماكرون، في نهاية الحوار، وبعد الإعلان عن القرارات "الجريئة" التي ينتظرها الشعب، أن إرضاء كل الفرنسيين غاية مستحيلة، وهو ما اكتشفته الحكومات السابقة، يمينية ويسارية، والتي يحمّلها ماكرون مسؤوليات "التخلي" و"الجبن" و"الخوف من الإقدام على إصلاحات"، أي أنه يرى فيها المسؤول الحقيقي عما يحدث الآن، أثناء ولايته.

المساهمون