"التنوّع" في "أيام بيروت السينمائية": اضطرابات الراهن

25 مارس 2019
الصورة
طلال ديركي يفتتح "أيام بيروت السينمائية الـ10" (فيسبوك)
تحتفل "أيام بيروت السينمائية" بدورتها العاشرة، بين 29 مارس/ آذار و6 إبريل/ نيسان 2019. احتفال يتزامن والذكرى العشرين لتأسيس "جمعية بيروت دي. سي."، مُنظِّمة الـ"أيام" والمُشرفة عليها. احتفالان في لحظة واحدة. الوقت ليس زمنًا أو رقمًا، بل حياة. التأسيس مُترافق وتبدّلات جمّة تشهدها بيروت بعد أعوام قليلة على النهاية المزعومة للحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990). الارتباك حاصلٌ في الاجتماع والعلاقات والثقافة، وأمور حياتية أخرى. الجمعية والأيام حاجة ثقافية لمواكبة الاضطرابات والخلل عبر سينما عربية تلتقط نبض اللحظة، وتعكس شيئًا من انفعالات وتأمّلات. حاجة لمحاولة فهم طبيعة الواقع والتحوّلات، لبنانيًا وعربيًا، عبر أفلام تطمح إلى خروجٍ على نظام إنتاجي سائد، بغية اكتشاف بعض التحرّر في صُنع سينما تقرأ وتواكب وتقول.

لن يكون عابرًا عنوان الدورة الجديدة. المنظّمون يُعلنون التزامهم "التنوّع"، فيجعلونه مفهومًا واختبارًا وعملًا. التنوّع حاصلٌ في انفتاح الـ"أيام" على جديدٍ وتجديديٍّ في السينما العربية. التنوّع ثقافة وممارسة، وإنْ تطغى الأولى أحيانًا، فالثانية تجربة يومية لتواصل مطلوب مع الآخر، ولرغبة في التعرّف إليه ومحاورته. لن يكون الأمر سهلاً. اضطرابات البلد ومحيطه العربي غير سهلة. الانزلاق العربي إلى العنف والانشقاق والتمزّق يزداد سُرعة. السينما، بجانبها "المستقلّ" أو "المغاير" أو "المجتهد" في رسم ملامح وإضاءة وقائع ومواكبة مسارات، تبحث عن غليانٍ يعتمل في مجتمع أو نَفْسٍ فردية أو روح جماعية. التجديد البصريّ، لغةً ومعالجةً وتقنيات، يواكب تطوّرات المهنة في العالم، ويحاول أن يكون الأقرب إلى حساسية الشارع العربي، والذات العربية، وأهوال الدم والخراب في الجغرافيا العربية.

والأهوال تلك تستمرّ في تلطيخ المشهد باضطرابات وانشقاقات. فالاحتلال الإسرائيلي يخنق الفلسطينيين وفلسطين، ويحاصر حماسة فلسطينية إزاء قضايا الناس وحكاياتهم. غربيّون يأتون إلى فلسطين لقناعةٍ لديهم بأولوية المعاينة الحسّية، فيعودون إلى بلادهم حاملين تصوّرات تكشف حجم القهر الفلسطيني الناتج من قسوة الاحتلال الإسرائيلي، ومدى براعة المواجهة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي وقسوته، وحقيقة العنف الإسرائيلي أيضًا. هذا كلّه حاضرٌ، بشكلٍ أو بآخر، في الدورة العاشرة، رغم أن الغلبة ستكون لأحوال جغرافيا عربية ناشئة من ربيعٍ مهدور، وثورات معطّلة، وقتل وحشي، وخراب مدوّ. وإذْ يُمنح قطاع غزّة الفلسطيني حيّزًا يحمل اسم "نظرة على غزّة"، فإن الافتتاح معقودٌ على فيلمٍ يُثير سجالاً يتخذ غالبًا جانبًا تخوينيًا واتهاميًا، وينصرف عن جمالياته السينمائية بحجّة أنه يُهين أطفالًا، ويحتال على أصوليّ، ويكذب على مُشاهدين. فـ"عن الآباء والأبناء" (2017) للسوري طلال ديركي، المُرشَّح رسميًا لـ"أوسكار" أفضل فيلم وثائقي لعام 2018 (النسخة الـ91، المُقامة في 24 فبراير/ شباط 2019)، يغوص في متاهة الحياة اليومية لأصوليّ منتمٍ إلى جبهة "النصرة"، في منطقة إدلب، ويتابع أفعاله المتعلّقة بتفكيك ألغام وبقنص "عدوّ"، وبتربية أبناء على نهجٍ متطرّف وصارمٍ وأصوليّ، يؤدّي حتمًا إلى عنفٍ جهاديّ باسم الإسلام.



الحيّز الفلسطيني يُقدِّم أحد أجمل الأفلام الغربيّة الجديدة عن فلسطين، وأعمقها وأقساها، فنيًا وتوثيقيًا وتقنيًا وإنسانيًا وأخلاقيًا. ذلك أن "طريق آل السمّوني" (2018) للإيطالي ستيفانو سافونا  يُعيد إحياء المجزرة الإسرائيلية بحق 29 فردًا من عائلة السمّوني في حي الزيتون، أكبر أحياء مدينة غزّة، في 4 يناير/ كانون الثاني 2009، أثناء عملية "الرصاص المصبوب" (27 ديسمبر/ كانون الأول 2008 ـ 18 يناير/ كانون الثاني 2009). وإذْ تلتزم اللقاءات والمتابعات الحسّية، التي يقوم بها سافونا مع كثيرين، شرطَ الوثائقيّ في تمكين مُشاهِده من تكوين صورة حيوية وواقعية عن الحكاية الأصلية، بأبعادها وجوانبها وخلفياتها ومساراتها وناسها ومصائرهم، فإنّ التحريك قادرٌ على تحقيق غايتين اثنتين على الأقلّ: "إعادة تمثيل الجريمة" بلحظاتها وتفاصيلها وانفعالات ضحاياها وأفعال مرتكبيها؛ وإيجاد فسحة تأمّل سينمائيّ في الفعل الجُرميّ نفسه، عبر ألوان غامقة ورسومٍ تبدو أقرب إلى قلم الرصاص، ربما كتذكيرٍ فني جمالي مبطّن بأن للرصاص جمالياته الفنية في توثيق اللحظة، وفي تحصينها وحمايتها من الاندثار، وهي جماليات تناقض كلّيًا الرصاص القاتل للمحتلّ الإسرائيليّ.

في المقابل، يختار منظّمو الدورة العاشرة فيلمًا مصريًا سيُعرض ليلة الختام، وسيكشف جانبًا إنسانيًا آخر عن مفهوم "التنوّع"، عبر تصوير حكاية مُصاب بمرض الجذام، يُقرِّر ـ ذات يوم لاحقٍ لوفاة زوجته في مستعمرة خاصة بمُصابين مثله بالمرض نفسه ـ أن يبحث عن أهلٍ يتخلّون عنه قبل سنين مديدة، فور اكتشافهم إصابته تلك. فـ"يوم الدين" (2018) للمصري أبو بكر شوقي ـ المعروض للمرة الأولى دوليًا في المسابقة الرسمية للدورة الـ71 (8 ـ 19 مايو/ أيار 2018) لمهرجان "كانّ" السينمائي ـ تجربة بصرية متماسكة إلى حدّ بعيد في قراءتها وقائع العناوين المتداولة في يوميات العيش العربي، المُثقل بهموم وقسوة وخلل وارتباكات، وأبرز تلك العناوين: قبول الآخر، والتواصل معه.