"الإن جي أوزيون" الجدد

28 يناير 2017
موطنهم الأصلي دمشق، هناك تتركز جماعاتهم الأولى. الجيل التجريبي منهم، ينتشرون في مساحات واسعة من الشعلان والمزة ومشروع دمر وجرمانا والداون تاون لاحقاً. الإن جي أوزي، كائن اجتماعي لا يحبّ العيش وحيداً. وإن كانت بعض المرويّات القديمة، تذكُر أن بعضهم كان يعيش كذئاب منفردة في حلب أو اللاذقية.

ثرثارٌ بطبعه، بين كلّ خمس كلمات عربية يدسُّ مفردة إنكليزية "أكشلي". يعاني من التهاب مفاصل حاد في أصابع يديه، لكثرة ما يطوي السبابة والوسطى فوق رأسه، ليشير إلى أنَّ كلامه بين هلالين، فهو دقيق في الكلام والتوصيف.

أنفه يصيرُ طويلاً أكثر مما هو في الواقع، عندما يتحدَّث. و يرى لما بعد بعد هذا الأنف فرسخاً "حكمة". رأسه يشبه الصندوق لكثرة ما يدعو إلى الإبداع والتفكير خارج الصندوق. إيَّاك أن تدعوه لفنجان قهوة مسائي، قبل أن ترسل له "بروبوزل" الدعوة، وإجابات واضحة عن من وكيف ولماذا هذا الفنجان.

ما اجتمع إن جي أوزيَّان، إلا وكان إن جي أوزي آخر ثالثهما، والدونَر، وغلاظة الدونر، وشروط الدونر، خُبز الجلسة حتماً.

وجدَ بعضُ الإن جي أوزيون في الثورة السوريَّة فرصة للتكاثُر، مع خصوبة المراعي، وتوافُر الكلأ والماء. تتعثّر بهم في شوارع عنتاب واسطنبول وبيروت وعمان، وحيث يوجد سوري، يوجد إن جي أوزي جديد.

ودودون جداً، أصدقاء الجميع، حاضرون بكتاباتهم وأصواتهم وصورهم على فيسبوك وتويتر وأنستغرام. يحترقون بُكاءً وانفعالاً مع كل مجزرة، لتحتار أنت، أتطبطب عليهم، أم على ضحايا المجزرة. لا ينقصُهم الانضباط العام. والنق الذي يمارسونه ليل نهار هو فعل إنساني بحت، "هيومان" يعني، فخياراتهم الصعبة تقتضي ذلك. ليس سهلاً على المرء أن يختار بين إكمال الدكتوراه في نيويورك، أو قبول ذلّ الخمسة آلاف دولار التي يرميها الدونر آخر كل شهر، كان الله في العون.

خلاقون مبدعون، خارج الصندوق طبعًا، بدءاً من أسماء منظماتهم المبتكرة، حفر وتنزيل، خنطق منطق. لديهم أفكار و"بروبوزلات" لخمس ثورات قادمة. أعطني دونراً، أعطيك "بروبوزلاً" ومشروعاً طيَّب الأعراق.

التفاني في العمل شعارهم، مطارات العالم أكلت من كعوب أقدامهم، وهم يجوبونها لـ"خدمة القضية إعلاميّاً"، وكله بيهون.

لا تنقصُهم الهشاشة والتشظّي، فهذا هو الطين الذي عُجنِّا منه نحن البشر. ابحث عن الإنسان في داخلك، وجدت هذه الجملة مكتوبة بالآراميّة القديمة في مكتب إن جي أوزي، نجا بأعجوبةٍ من محاولة انتحاره الثالثة عشرة.

عُشّاقٌ جسورون، يبحثون عن الحب ولو في الصين أو نيويورك، فبالحب وحده يحيا الإنسان. هكذا تكلم الدونر في رسالته الأخيرة، وهو يدفع ثمن بطاقات السفر ومصاريف الغرام.

ذوَّاقة مُجدِّدون في الأدب، يُعجَبُون مثلنا بكتابات الفيسبوك، ويوميات نجومه وناسه العاديين. لايكاتهم لا تغيب عنها إلا للشديد القوي، ولأنَّهم بشرٌ ضُعفاء خَطّاؤون، أغوَتهم لغة الناس البسيطة، بالاستيلاء عليها، فهبّوا بحثاً عن مُموِّل لنشر مُذكّراتهم عن الحرب والثورة.

لا يتوانون عن مساعدة الآخرين، أنت عاطل عن العمل؟ تبحث عن فرصة؟ اذهب لأقرب إن جي أوزي إليك ولن يردك خائباً، أهلاً وسهلاً، عندنا وظيفة شاغرة، مدرس لغة عربية، لا شروط، لا متطلبات، بتعرف إنكليزي؟... آه خسارة، هي الوظيفة ما بدها شي، بس إنكليزي، شوية انكليزي زائد مصاريف الشحن.

"أياديهم البيضاء" مَمدودةٌ دائماً. حاول أن تنظُر خلف التاتو الملون. خلف الحروف العربيّة للوشم لتجد الإنسان، أخوك الإنسان.

وغراراً على مقولة "القائد الخالد": "الإن جي أوزيّون بناة حقيقيون، لأنَّهم يبنون الإنسان، والإنسان هو غاية الحياة وهو منطلق الحياة".