"الإخوان" في الجزائر... عودة إلى جدل المشاركة في السلطة

"الإخوان" في الجزائر... عودة إلى جدل المشاركة في السلطة

29 اغسطس 2016
الصورة
قلّل مقري من الجدل الدائر في الحركة (بشير زموري/الأناضول)
+ الخط -
عاد الجدل إلى داخل حركة "مجتمع السلم"، أكبر الأحزاب الإسلامية في الجزائر وممثّلة "إخوان" الجزائر، بعد دعوات من كبار القيادات السابقة لمراجعة الخط السياسي للحركة، أو ما تعتبره هذه القيادات العودة إلى النهج المؤسس التاريخي للحركة. لكن الواقع السياسي الذي فرضته القيادة الجديدة للحركة لا يفتح أي باب للعودة إلى خيارات المشاركة السياسية مع السلطة، إلا في حالة حصول إجماع وطني على حكومة وحدة وطنية ومرحلة انتقالية.
منذ يونيو/حزيران 2012 أعلنت "مجتمع السلم" فك الارتباط السياسي بالتحالف الرئاسي الذي كان يضمها مع حزبي السلطة، "جبهة التحرير الوطني" و"التجمّع الوطني الديمقراطي"، والذي كان قائماً لدعم الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة. وأعلنت الحركة عدم المشاركة مجدداً في أي حكومة يشكّلها بوتفليقة، بعد تجربة طويلة في المشاركة في الحكومات امتدت لأكثر من عشرين عاماً. وجاء المؤتمر العام للحركة نهاية عام 2012، ليعلن عن تركيز هذا التوجه وفك الارتباط مع السلطة، ونقل القيادة إلى أكثر كوادر الحركة راديكالية واعتراضاً على سياسات السلطة، عبد الرزاق مقري، والذي أدار دفة الحركة باتجاه مغاير تماماً، وانخرط في صياغة توجّهات جديدة تتقاطع مع توجّهات الأحزاب المعارضة، وحسم بشكل حاد مع ازدواجية مواقف الحركة بين التواجد في الحكومة من دون التمكّن من المشاركة الفعلية في القرار، والخطاب المعارض.
السنوات الأربع التي قضتها الحركة خارج السلطة، أعادت لها توازنها السياسي ووضعتها في توجّهات جديدة مغايرة للسابقة، وسحبت ثقلها السياسي من خندق السلطة التي كانت تستفيد من هذا الدعم إلى خندق المعارضة، ونقلت موقفها من داعم لبرنامج وسياسات بوتفليقة، إلى التشكيك في شرعيته الدستورية منذ وعكته الصحية في إبريل/نيسان 2013، وبعد انتخابات 2014، والطعن في مشروعية القرارات الأخيرة والتشكيك في علمه بها. لكن هذا الوضع دفع بمجموعة من القيادات التي كانت تقود الحركة في مرحلة ما قبل العام 2012، إلى طرح أفكار لإحداث تقييم ذاتي حول المسار الجديد وفقاً لحسابات الربح والخسارة، ومراجعة الخيارات المنتهجة على ضوء ما أفرزته. وأبرز هؤلاء الرئيس السابق للحركة أبي جرة سلطاني الذي قاد الحركة بين 2003 و2014، الذي أعدّ مبادرة لإعادة الحركة إلى وضعها الطبيعي ما قبل 2012 في علاقة بمحيطها السياسي، وقدّمها إلى المكتب التنفيذي الوطني منذ شهور.
وإضافة إلى المعطيات السابقة والتي دفعت إلى هذه المبادرة، فإن اللافت أن العديد من القيادات السياسية التي كانت تقود الحركة سابقاً، تبدو متأثرة بالتجربة التي تخوضها حركة "النهضة" في تونس، والتي نجحت عبر التوافق السياسي والمشاركة مع باقي الأطياف السياسية في إحداث اختراق كبير في الجدار السياسي التونسي الذي كان منغلقاً بشكل كبير وصدامي على تجارب الإسلاميين وإشراكهم في صناعة القرار. كما أن التحوّل العميق في علاقة "مجتمع السلم" مع مكوّنات السلطة، والقطيعة الحادة التي باتت موجودة بين الحركة والسلطة الجزائرية، تتناقض بحسب هذه القيادات مع الوصف التقليدي للحركة كحزب وسطي في المشهد السياسي الجزائري.


رئيس حركة "مجتمع السلم"، عبد الرزاق مقري، قلّل من الجدل الدائر في الحركة التي تمثّل "إخوان" الجزائر، قائلاً: "نحن لا نشعر بأي شيء غير عادي داخل الحركة، ولم يسبق أن كانت الحركة في هدوء وانسجام بين مؤسساتها كما هي الآن، ونحن حركة ديمقراطية وكل مناضل من حقه أن يقدّم رأيه، ولكن المؤسسات هي التي تفصل وليس الأشخاص"، مضيفاً "لا توجد حاجة للتهويل، نحن واثقون في أنفسنا وماضون في عملنا، وقد بات للحركة تجربة كبيرة، ولها كامل القدرة على التعامل مع التنوّع في الرأي داخلها ضمن عمل مؤسسي". وتعليقاً على مبادرة رئيس الحركة السابق، أوضح مقري أن "الشيخ سلطاني لم يقترح علينا أي شيء عملي فيها، ونحن منفتحون على أي مبادرة لكن المؤسسات هي التي تفصل فيها"، مشيراً إلى أن الخروج من الحكومة كان قبل المؤتمر الخامس في يونيو/حزيران 2012 إثر تزوير الانتخابات التشريعية، ثم جاء المؤتمر نهاية 2012 فأكد على هذا القرار، كما أكدت كل دورات مجلس الشورى الوطني على هذا التوجّه.
عودة الجدل داخل الحركة دفع ببعض الكوادر القيادية والمحلية إلى طرح مخاوف من تجدد حالات الانقسام والشرخ الداخلي، خصوصاً أن الحركة لم تنجُ من انقسامات حدثت عام 2008، عندما أعلنت كتلة من القيادات انشقاقها وتأسيس حزب سياسي بديل تحت اسم "جبهة التغيير" ما لبث أن انقسم مجدداً على نفسه. إضافة إلى انشقاق ثان في نهاية 2012، بقيادة وزير النقل والسياحة السابق عمار غول، والذي أسس حزب "تجمع أمل الجزائر".
لكن القيادي في "مجتمع السلم" ناصر الدين حمدادوش طمأن بأن الجدل الدائر بين كوادر الحركة، لا يمثّل ولا يمكن أن يؤدي إلى إحداث شرخ داخلي، قائلاً: "لا توجد مشكلة داخلية ونطمئن الجميع بأن الحركة كبيرة وهي تسع الجميع ولا تضيق ذرعاً من الخلاف، ولسنا في ثكنة عسكرية حتى نحجر على أحد، ولا حرج من أي مبادرة أو مقاربة، لكن المبادرات مكانها الطبيعي في مؤسسات الحركة". لكن حمدادوش رفض في الوقت نفسه طرح مقاربات سياسية للإعلام قبل طرحها على المؤسسات القيادية للحركة وبعيداً عن التراشق الإعلامي، واللجوء إلى الأساليب التي تهز صورة الحركة وتذكّر بتجارب الانشقاقات السابقة.

المساهمون