"اقتصاد الحاويات" يهدّد الجزائر.. الاستيراد يحرق الوزراء ويستنزف الخزينة

21 اغسطس 2017
الصورة
الحكومة تسعى لتقليص واردات السيارات (فاروق بطاشي/فرانس برس)
لا يزال ملف التجارة الخارجية وخاصة الشق المتعلق بالاستيراد يؤرق الحكومات المتعاقبة في الجزائر، إذ بات الملف يحرق الوزراء الذين يقتربون منه، كما حدث في نهاية الأسبوع الماضي مع رئيس الوزراء السابق عبد المجيد تبون ووزير التجارة أحمد السياسي اللذين أقالهما الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، تحت ضغط رجال الأعمال (الكارتل المالي) ممن احتجزت حاوياتهم منذ أكثر من شهر بالموانئ، وتكليف رئيس الديوان الرئاسي، أحمد أويحيى، بتشكيل حكومة جديدة.
وأعطى بوتفليقة، أوامر بتحرير الحاويات، التي باتت تستنزف أموال الخزينة العمومية المنهكة جراء تهاوي عائدات النفط، حسب خبراء اقتصاد لـ "العربي الجديد".

بارونات الاستيراد

ويبدو أن الحكومة الجديدة أمام تحدي استمرار بارونات الاستيراد بالتحكم في الاقتصاد، وفي سرد للتطور الذي مرّ به الاقتصاد الجزائري فيما يتعلق بالاستيراد وكيف تحول إلى "اقتصاد الحاويات" أو "اقتصاد البزار"، يقول وزير المالية الأسبق عبد الرحمن بن خالفة لـ "العربي الجديد" إن "الاقتصاد الجزائري رغم خروجه من الاشتراكية شكلاً قبل قرابة ثلاثة عقود إلا أنه ظل يحتفظ بخاصية أصبحت تهدده، وهي أنه "اقتصاد ريعي" لا ينتج بل يعيش بعائدات النفط الذي يساهم بـ 40 % من الناتج الداخلي و64 % من إيرادات الدولة و 96 % من الصادرات".
وأكد بن خالفة أن من أبرز الأسباب التي أدت باقتصاد البلاد إلى الوقوع في شرك "الحاويات" انتقال الجزائر بعد 1990 من عهد الاحتكار العمومي للتجارة الخارجية إلى "الاحتكار" الخاص، حيث أصبح رجال الأعمال (الكارتل المالي) هم من يدخلون مختلف السلع إلى البلاد بداية من المواد الغذائية والمواد واسعة الاستهلاك إلى مواد البناء قابلها تلك المرحلة دخول الجزائر في دوامة "الإرهاب" التي قضت على المصانع العمومية، وبالتالي أصبحت الجزائر تأكل ما تستورده بأموال النفط منذ ذالك الوقت إلى يومنا هذا".

وفي تطور للأرقام كشف بن خالفة أن "فاتورة الاستيراد ظلت ترتفع من سنة إلى أخرى حيث كانت في سنة 2005 تبلغ نحو 20 مليار دولار ثم انتقلت إلى 38 مليار دولار سنة 2008 وواصلت الارتفاع لتسجل مستوى قياسيا سنة 2014 بنحو 60 مليار دولار، ما يؤكد بأن تبعية الجزائر للأسواق الخارجية، وأن السفن والحاويات أصبحت هي "أكسجين البلاد".
وأزمة الاستيرداد ممتدة منذ زمن طويل وباعتراف الحكومة الجزائرية وعلى لسان وزير التجارة الأسبق بختي بلعايب الذي قال في 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2016 أن "خسائر الجزائر من تضخيم فواتير الاستيراد لا تقل عن 30 % من فاتورة الواردات في السنة ".

تهريب العملة

أصبحت عمليات الاستيراد طريقة قانونية ومنفذا رسميا لتهريب العملة الصعبة إلى خارج البلاد، حيث كشف تقرير أعدته مطلع السنة الحالية خلية الاستعلام المالي بوزارة المالية الجزائية أن "خسائر الجزائر جراء تضخيم فواتير الاستيراد تجاوزت حسب الحصيلة النهائية للسنة الماضية 16 مليار دولار، وأن المتعاملين الاقتصاديين يضخمون فواتير استيراد سلعهم 8 أضعاف القيمة الحقيقة، لتهريب الأموال إلى الخارج".
وفي هذا السياق، لفت رئيس جمعية المصدرين الجزائريين علي باي ناصر، إلى أن "الطريقة التي يعتمد عليها المستوردون تتمثل في تضخيم فواتير السلع التي يريدون إدخالها إلى الجزائر، خاصة من الصين حيث يطلب المستورد الجزائري من البائع تضخيم الفاتورة التي يقدمها إلى بنك الجزائر، الذي يحوّل الأموال بعد وضع المستورد للفاتورة الإجمالية، بينما نجد في الحاويات سلعة يقل سعرها عشرات المرات عن الأسعار المصرح بها لدى بنك الجزائر".

وأضاف ناصر لـ "العربي الجديد" أن "الكثير من التجار أصبحوا يلجؤون إلى "حيلة" جديدة وهي فتح شركات تصدير في الصين والهند، وأخرى للاستيراد الجزائر، وبالتالي يتم تضخيم الفواتير بطرقٍ ملتوية يصعب الكشف عنها".
وتابع رئيس جمعية المصدرين الجزائريين قائلا: "البنك المركزي يتحمل مسؤولية تفشي هذه الظاهرة، بعدما ألزم المستوردين سنة 2009 بدفع حق السلع المستوردة قبل أن تنطلق الحاويات من البلد المُصدر".

نظام الرخص

لم تنجح الحكومة في وقف قطار نزيف الاستيراد رغم إقرارها نظام رخص الاستيراد، ومنذ منتصف سنة 2014، تقدم وزير التجارة آنذاك عمارة بن يونس إلى الحكومة والبرلمان الجزائريين بمشروع قانون ينظم التجارة الخارجية خاصة الاستيراد، من خلال وضع رخص "إدارية" على عمليات الاستيراد، بحيث تحدد وزارة التجارة كمية قيمة ما يتم استيراده من سلع، وهو مشروع القانون الذي صادق عليه البرلمان، وكلف بن يونس منصبه حسب تصريحات سابقة له قال فيها إن "بارونات الاستيراد انتقموا مني و نجحوا في عزلي من الوزارة".
وكانت السيارات أول الواردات المعنية بالرخص بعدما فاقت فاتورة استيرادها 6 مليارات دولار لنحو 450 ألف سيارة سنة 2014، حيث قررت الحكومة السنة الماضية استيراد ما قيمته مليار دولار فقط من السيارات ما يعني حوالي 82 ألف وحدة، لتعمم الرخص بعد على كل السلع خاصة المصنعة محلياً.

لكن سرعان ما أظهر هذا الإجراء عيوبه، بعدما ارتفعت أسعار السلع المعنية برخص الاستيراد بعد تراجع العرض مقابل الطلب، وسرحت شركات تصنيع العمال بعد تقليص حجم السلع الأولية المسموح باستيرادها، ودخلت الحكومة في قبضة حديدية مع المستوردين والمصنعين، خاصة بعد إعلان الحكومة نهاية السنة الماضية أنها وضعت سقف 30 مليار دولار كحد أقصى من السلع المسموح باستيرادها، بعدما وسعت قائمة السلع الممنوع استيرادها لتشمل الدواء ومواد التجميل والمواد الغذائية.
وحسب رئيس دائرة التفكير في مجموعة أبحاث تابعة لأرباب العمل ومالك شركة عصائر، سليم عثماني، لـ"العربي الجديد" فإن "نظام الرخص وضع بطريقة سريعة وغير مدروسة، والدليل أنه حتى المصنعون لم يجدوا سلعا أولية لمصانعهم ومنهم من سرح العمال وأغلق أبواب مصانعه نهائيا".

وأضاف نفس المتحدث أن "الرخص الإدارية التي وضعت كانت سلاحا ذا حدين، الأول إيجابي سمح بتقليص فاتورة الواردات إلى 48 مليار دولار السنة الماضية، إلا أنها أحدثت اختلالا في الأسواق التي عرفت ارتفاعا في الأسعار، والثاني إشكالية غموض الرخص في ظل غياب المعايير، ما من شأنه تشجيع الاقتصاد الريعي لصالح جهات مستفيدة من علاقات متميزة مع الحكومة".


تعليق: