"احتفالية فلسطين للأدب": في مواجهة الحيّز الاستعماري

06 ابريل 2019
الصورة
(كتّاب في حاجز قلنديا، 2014، تصوير: روب ستوثارد)
+ الخط -

لم تُقدَّم مقاربات جدّية مؤخراً حول تغيّر مفهوم التضامن مع القضية الفلسطينية من قبل الأفراد والمؤسسات حول العالم. ربما لم يرد كثيرون طرح تساؤلات جدّية حول إخفاق معظم البنى والفاعلين التقليديين، طوال العقود الماضية، في تجاوز خطاب يعتمد بشكل أساسي على شعارات سياسية وبلاغات لغوية.

اليوم، أصبح من الضروري إدراك أن المتضامن يحتاج إلى المعرفة التي تعني جهداً أكبر في تفكيك بنية الاستعمار الصهيوني ضمن مستويات متعدّدة، منها ارتباطها بمقولات المركزية الأوروبية التي اخترعت إسرائيل، وتعاملت مع كلّ محيطها باعتبارهم مجرد جيران لها عليهم أن يتصالحوا مع فكرة وجودها، وكذلك ارتباطها العضوي بالإمبريالية وتعبيرها عن مصالحها السياسية والاقتصادية في المنطقة العربية.

على هذا الأساس المعرفي، أُسّست "احتفالية فلسطين للأدب" عام 2008. وقد عبّر عنها المفكر الراحل إدوارد سعيد بإشارته إلى "قوة الثقافة في مواجهة ثقافة القوة"، التي حمّلها المؤسّسون فكرةً ذكية منذ انطلاقتها، تتمثّل في "الكاتب الشاهد" الذي يعود بعد كلّ احتفالية إلى بلاده ليكتب ويتحدث عمّا شهد في فلسطين.

الشهود/ الشهادات التي تجاوزت المئتين، حقّقت حضورها على مستوى العالم، لأنها بنت مواقف عكستها نصوص شعرية وسردية وفكرية، استطاعت أن ترسم صورة أقرب وأعمق للماضي والحاضر. لكن رغم ذلك، لم تُعقَد التظاهرة العام الماضي، وتقرر أن تكون السنة المنقضية مساحة للتأمّل والمراجعة للأعوام العشرة الفائتة.

خلص المتأملون والمراجعون الذين لم تنقصهم الجرأة والرؤية النقدية، للقول إن "العالم تغيّر في تلك السنوات العشر وأصبح بإمكان الجميع أن يصبح شاهداً بصعود منصّات الإعلام الاجتماعي. ومع ذلك، فشلت الشهادة الجماعية في كبح جماح العنف الإسرائيلي".

واختتمت الدورة العاشرة عام 2017، بإصدار وثيقة تحفظ ذاكرة الاحتفالية في كتاب بعنوان "هذه ليست حدوداً"، ضمّ مختارات من نصوص المشاركين خلال السنوات الفائتة، حرّرته أهداف سويف وعمر روبرت هاملتون، ونشرته دار "بلومزبري" في لندن. نصوص عن فلسطين ومنها لا تعترف بالحدود الوهمية التي اختلقها المستعمِر.

اختار المنظّمون أن تُركّز الجهود في الدورة الحالية على رعاية كتابات جديدة، توضّح وتؤطّر الروابط بين استعمار فلسطين وأنظمة السيطرة والسلب المتسارعة حول العالم، التي باتت تستوجب جهداً بحثياً واجتهاداً معرفياً وإرادة ثقافية لمواجهة مرحلة جديدة من المواجهة مع المحتل، الذي يسعى مع حلفائه إلى تحقيق أكبر تنازل سياسي من العرب والفلسطينيين يقضم الجغرافيا والذاكرة والإنسان.

وستنظَّم التظاهرة للمرة الأولى حول موضوع معين؛ إذ سيكون الموضوع الرئيسي عام 2019 هو "الحيز الاستعماري: مستقبل التطوّر الحضري"، الذي يشكّل مسألة ملحّة وتستحق نقاشات معمّقة ومقاربات نظرية وعملية للوقوف في وجه آلة الإرهاب الصهيوني التي تواصل اعتداءاتها الممنهجة، بدءاً من جدار الفصل العنصري، ومروراً بالاعتداء على ممتلكات الفلسطينيين، وليس انتهاءً بتهويد القدس.

تقوم "احتفالية فلسطين للأدب"، بالتعاون مع المعماري والمحرّر مهدي الصباغ، بجمع كتّابٍ ومعماريين ومخططي مدن وأكاديميين بارزين، توضح أعمالهم استراتيجيات وتقنيات السيطرة والاحتلال الإسرائيلي للحيز الفلسطيني، وتقدم دعوةً لعامين للكتّاب الذين تثمر زيارتهم عن تعاونٍ أو عملٍ جديدٍ، ليتسنى لهم تقديم أعمالهم في الاحتفاليات القادمة. نقرأ في بيان الدورة الحالية: "لا تجسد فلسطين ظلماً فريداً وبعيداً، بل هي ساحة معركةٍ في منتصف صراعٍ عالمي بين اليمين واليسار، التي تتصف روابطها وخطوطها الموازية وتبعاتها بطابعٍ عالمي. ولتكنولوجيا السلب شراةٌ ومقلّدون كثر حول العالم، سواء في مجال التدريب الشرطي أو تصميم الخوارزميات أو حرب الطائرات المسيَّرة دون طيار".

و"لأن ثقافة القوة تستعرض عضلاتها في كل مكان، أصبح ملحّاً الآن أكثر من السابق، سبر أغوار قوةٍ جديدة في بحر الثقافة"، بحسب بيان النسخة الحادية عشرة من "احتفالية فلسطين للأدب"، التي تُفتتح اليوم السبت، وتتواصل حتى الثالث عشر منه في عدّة مدن في فلسطين هي: القدس وبيت لحم ورام الله والخليل وحيفا ونابلس وبلدة بيرزيت.

من بين الكتاب المشاركين: شاموس خان أستاذ علم الاجتماع في "جامعة كولومبيا"، وأستاذة الهندسة المعمارية فيليسيتي سكوت من الولايات المتحدة، والشاعرة والكاتبة ومخرجة الأفلام فيكتوريا أدوكوي بوللي من غانا، والكاتب والمترجم جاي جي يينغ من الصين، والفنان ريكاردو كاڤولو من إسبانيا، وأستاذ الدراسات الأميركية نيك إستس الذي ينتمي إلى السكّان الأصليين للولايات المتحدة، والصحافية والحقوقية السورية الأميركية علياء مالك، وأستاذة التاريخ ونظرية العمارة والعمران سامية هيني من الجزائر، والباحثة والمخرجة مديحة طاهر من باكستان، والمهندس المعماري ليوبولد لامبرت من فرنسا. وسيقوم باحثون فلسطينيون في المجال، منهم ريما حمامي ونادرة شلهوب - كيفوركيان، باستضافتهم على المنصات المختلفة.

تنطلق الفعاليات بأمسية "غزة: الغياب المفروض"، التي تُقام عند السادسة من مساء اليوم السبت في قاعة "يبوس" في القدس المحتلة، التي تشتمل على قراءات لكتّاب مباشرةً من القدس وإبراقاً من بلدان اللجوء. وإحياءً لذكرى استشهاد المصور الصحافي ياسر مرتجى، تقدّم أول عروض فيلم "يوم الثلاثاء على البحر"، الذي أنجزه كلّ من جوش بيغلي وشوريدة مولاوي و"عين ميديا غزة" التي ساهم بتأسيسها ياسر مرتجى.

في القدس أيضاً، تنظّم غداً فعالية "الحيز الاستعماري اليوم"، التي تتضمّن نقاشاً بين نادرة شلهوب كيفوركيان وسيمون براون وناتالي دياز وعلياء مالك، حول العدوان المستمر على ثقافة الموهافي والمراقبة الممنهجة للسود الأميركيين، إلى جانب قراءة شعرية لفيكتوريا أدوكوي بوللي. وفي بيت لحم تحتضن "دار يوسف نصري جاسر للفن وللبحث"، حديثاً بعنوان "استحقاق" تناقش خلاله مابيل أو. ويلسون مواضيع المواطنة والعرق الأبيض والامتياز، وعلاقتهم بالسلب والأرض في السياق الأميركي، وآخر بعنوان "مزاج" يتناول فيه كيلير ايستيرلينج النزعة أو المزاج الملازم للترتيبات المكانية - العنف غير المعلن أو الارتياح من العنف المتجسدة فيهما، ويليهما جولة من الأسئلة والأجوبة يديرها مهدي الصباغ.

في "مركز خليل السكاكيني الثقافي" في رام الله، تقام محاضرة لـ فيليستي د. سكوت حول كتابها الجديد "الأقاليم الخارجة عن القانون: بيئات عدم الأمان/ هياكل مكافحة التمرد"، وتشارك ناتالي دياز وعلياء مالك بندوة "اللغة والذاكرة خلال الأزمة" في جامعة الخليل، حيث تقدّمان انطباعات حول الهجرة والهوية والإزاحة، وحول استرجاع لغة تحت الهجوم من قوة استعمارية، ووحول دور المذكرات في أوقات التمزق السياسي.

"الحيز الاستعماري المسلح" عنوان اللقاء الذي يجمع كلّاً من ليوبولد لامبرت وسامية هيني ونك إستيس في "جامعة النجاح" في نابلس لتناول ثلاثة أعداد من مجلة "البهلوان" المناهضة للاستعمار، ناقشت الحيز الاستعماري المسلح في الجزائر وجزيرة السلحفاة وفلسطين. كما ينظّم نقاش في "المتحف الفلسطيني" في بيرزيت بعنوان "السياسات المكانية: فلسطين وما وراءها" يشارك فيه تا-نهاسي كوتس وريما حمامي، وسامية هيني ومديحة طاهر وتقدّمه عادلة العايدي-هنية، وتقام ندوة بعنوان "مناهضة اللغة الاستعمارية" في "جمعية الثقافة العربية" تتحدّث خلالها جيهان بسيسو وناتالي دياز.

ويعقد في "مؤسسة عبد المحسن القطّان" في رام الله لقاء بعنوان "خطوط السيطرة: رسائل من وإلى فلسطين" يعرض خلالها المشاركون انطباعاتهم حول زيارتهم الحالية لفلسطين، وتختتم الفعاليات في المؤسسة بإطلاق كتاب "المؤقت الدائم/ فن ونظرية" للفنانيْن الفلسطينية ساندي هلال والإيطالي أليساندرو بيتي. إلى جانب الفعاليات العشر العامة، تتعاون الاحتفالية مع عدّة مؤسسات عامة وتعليمية لعقد مجموعة من الورش التعليمية، بالتعاون مع أربع وعشرين مؤسسة فلسطينية ودولية.

المساهمون