"إرهابيّو" كورونا

28 فبراير 2020
الصورة
"ضحيّة" غير مصابة بالفيروس الجديد (كيفن فريير/ Getty)

إثارة الذعر/ الهلع تهدف في نهاية المطاف إلى إثبات الوجود. بذلك نكون مرئيّين. هذا ما تؤكّده المتخصصة الفرنسيّة في الأنثروبولوجيا مونيك سليم، في مقال لها تحت عنوان "الإرهاب العالميّ: تكرار وفرادة". وهكذا، يتمكّن المرء من المجاهرة: "أنا موجود". استناداً إلى ما دوّنته سليم، لن نبالغ إذا قلنا إنّ ثمّة "إرهابيّاً ما" في داخل كلّ من يثير حالة من الذعر/ الهلع بين مجموعة من الناس، في أيّ مجال وبأيّ طريقة. 

واليوم، يمكن الحديث عن إرهابيّي كورونا. هؤلاء ليسوا متورّطين في ابتكار الفيروس الجديد، فهو ليس صنيعة الإنسان، بحسب المعطيات الأخيرة الصادرة عن الأكاديميّة الصينيّة للعلوم ومعهد علم الفيروسات في ووهان، المدينة الواقعة في إقليم هوبي وسط الصين والتي يُظَنّ أنّها منطلق كورونا الجديد الذي يقلق العالم. ربّما تظهر عناصر جديدة تبيّن تورّطاً ما للإنسان، إلا أنّ الإرهابيّين الذين نشير إليهم هنا هم غير آخرين محتملين، في كلّ الأحوال. إرهابيّو كورونا فئتان اليوم، إمّا أفراد يُصنّفون "أشخاصاً مُسِمّين" وإمّا آخرون يرتكبون أفعالهم عن جهل. بالنسبة إلى الأشخاص المُسِمّين، فإنّهم بحسب هؤلاء الذين يحاولون الغوص في النفس البشريّة، "يتحدّون كلّ منطق". بعضهم لا يدرك حجم تأثيره السلبيّ على من يحيط به، وبعض آخر يستلذّ بحسب ما يبدو بإثارة فوضى وبلبلة. ويُسأل من جديد: من أين تأتي رغبة هؤلاء في إثارة الذعر/ الهلع؟ يجيب خبراء بأنّ من شأن ذلك جعل المعنيّ يشعر بأنّه في موقع قوّة وبالتالي يتحكّم في مَن حوله. وهذا ما يصبّ في سياق المنطق نفسه الذي تقول به مونيك سليم.

وتكثر الشائعات التي تندرج في إطار استراتيجيّة هؤلاء الإرهابيّين، يُضاف إليها تحريف للوقائع والمعلومات، وكلّ ذلك بهدف إثارة الذعر/ الهلع. ويأتي نشاطهم اليوم مركّزاً على وسائل التواصل الاجتماعيّ، في حين ينجرف كذلك إعلاميّون كثر وراءهم. هؤلاء يهملون مصادر المعلومات الموثوقة ذات الصلة، فينتهكون بذلك أدبيّات المهنة بأبسطها. ويساهم الجميع في البلبلة. على سبيل المثال، يُنتقَد الحجر الصحيّ المنزليّ من قبل أناس تحوّلوا إلى خبراء بين ليلة وضحاها، وتُتَّهَم الجهات المعنيّة بالتقصير. مهلاً. لو أنّ الدول تعمد إلى عزل كلّ شخص محتملة إصابته في منشأة طبيّة، فإنّ أنظمتها الصحيّة سوف تنهار بلا شكّ... وفي الإمكان مراجعة متخصّصين اقتصاديّين هنا.



لمن يهمّه الأمر، سُجّلت بالولايات المتحدة الأميركيّة وحدها في هذا الموسم 29 مليون إصابة بالإنفلونزا على أقلّ تقدير، 280 ألفاً منها تقريباً استلزمت استشفاءً فيما بلغت الوفيّات نحو 16 ألفاً. هذا ما أفادت به بيانات أخيرة للمركز الأميركيّ لمكافحة الأمراض والوقاية منها. تكفي عمليّة حسابيّة بسيطة لنهدّئ من روعنا وندرك واقع الفيروس الجديد، أقلّه حتى هذه الساعة.