"أوتوفكشن عربي": محاولة القبض على الواقع

04 يوليو 2020
الصورة
درويش هلالي بكار

في كتابه "ميثاق السيرة الذاتية" (1975)، تساءل المنظّر الأدبي الفرنسي فيليب لوجون: هل يمكن لبطل الرواية أن يكون له نفس اسم المؤلف؟ سيظل سؤال لوجون (1938) معلّقاً إلى أن يأتي الناقد والكاتب الفرنسي سيرج دوبروفسكي (1928 - 2017)، ويجيب عنه مبتكراً مصطلح الأوتوفكشن (التخييل الذاتي)، ويضع هذا الجنس الأدبي "الجديد" كتعريف على غلاف روايته "الابن" المعروفة أيضاً باسم "الوحش"، حيث كتب تعريفاً له بأنه "أدب لأحداث وحقائق حقيقية تمامًا، بمعنى ما. أنت توكل لغة المغامرة إلى مغامرة اللغة". وأخذ هذا المصطلح طريقاً وعراً من القبول والرفض والسجال فأصبح له سيرة طويلة بحد ذاته، ما زالت مستمرّة إلى يومنا، حيث يكاد أن يكون من الأشكال السائدة والمطلوبة في عصرنا.

هناك أثر لهذا النوع في الأدب العربي منذ زمن طويل، حتى قبل دوبروفسكي بكثير، وربما تكون أقدم رواية "أوتوفكشن" هي "الساق على الساق في ما هو الفارياق" لأحمد فارس الشدياق المكتوبة عام 1855؛ حيث اعتمد فيها على سيرته الشخصية وأطلق على البطل اسم "فارياق" المشتق من اسم الكاتب الأول ولقب عائلته. وحتى اليوم لم تُدرَس هذه الرواية على نحو جدّي من باب أنها أول مغامرة تخييل ذاتي في الثقافة العربية، باستثناء دراسة رضوى عاشور عنها.

في كتاب صدر حديثاً بالفرنسية بعنوان "أوتوفكشن عربي" عن "منشورات جامعة ليون 2"، يدرس الباحث المايوتي درويش هلالي بكار تمظهرات الأنا في الأدب العربي في أطروحة يتساءل فيها: انتشرت ظاهرة الرواية الذاتية في العالم العربي الآن، ممّا أثار حولها العديد من الأسئلة والنقاشات. ولكن هل هي حقًا ظهور لنوع أدبي جديد؟

 

يرى بكار أن روايات الثمانينيات خصوصاً كان لها تأثير كبير على حدوث الربيع العربي

العمل، وفقاً لتقديم الناشر، هو أول دراسة باللغة الفرنسية تتناول تاريخ الرواية الذاتية في الأدب العربي، وفيه يقدم بكار قراءة جديدة في تقاليد كتابة الأنا في الأدب العربي، منطلقاً من القرن التاسع عشر وصولاً إلى الرواية المكتوبة اليوم، حيث يحلّل الإنتاج الروائي المعاصر، بالإضافة إلى النقاش النقدي الذي ترتّب عن انتشار هذا النوع.

يقف بكار بشكل أساسي عند أعمال الروائيّين المصري صنع الله إبراهيم (1937)، والمغربي محمد شكري (1935 - 2003)، واللبناني رشيد الضعيف (1945)، ويخلص من خلال دراسة هذه النماذج إلى تأسيس نموذج للرواية الذاتية العربية، ويحدّد مجموعة من الموضوعات المتكرّرة في كتابة هذا النوع، والتي يمكن بحسبه أن تنطبق على العديد من النصوص الحديثة والمعاصرة، معتبرًا أن استخدامات هذا الجنس الأدبي غالبًا ما تأخذ اتجاهات نقد سياسية واجتماعية، حيث كانت بمثابة إمساك بواقع اجتماعي وثقافي أكبر.

تاريخياً، يعود بكار إلى حملة نابليون على مصر، ويرى أن الصدمة الثقافية التي سبّبتها جلبت معها مصدرًا جديدًا للإلهام الأدبي في الجانب العربي، عندما بدأ المؤلّفون العرب في القرن التاسع عشر بتأليف الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات. ويَذكر أنه وفي سياق صعود القومية، ثم حروب الاستقلال التي تلتها فترة من الحروب الأهلية والديكتاتوريات الشمولية في عدد من البلدان، أدرك المؤلّف العربي كيف يمكن للمصدر الأدبي أن يغيّر المقاييس وزوايا النظر، فحمل الأدبُ مثلاً الحركة النسوية العربية (رغم أن الكتاب لم يلتفت كثيراً إلى الأوتوفكشن الذي كتبته المرأة العربية)، وبنفس الطريقة يرى بكار أن روايات الثمانينيات خصوصاً كان لها تأثير كبير على حدوث "الربيع العربي".

ما يطرحه بكار فرضيات لا تزال في حاجة إلى المزيد من الدراسات للتحقق من صحتها، فهو يرى أن الرواية في العالم العربي لم تكن متعلّقة بالنخبة الفكرية، بل إن الأدب دخل الثقافة الشعبية، ونشر أفكاره إلى أكبر عدد من الناس، وفي رأيه فإنه في حين كان الإصلاحيون في القرن التاسع عشر مثقّفين، فالأمر مختلف في القرن الواحد والعشرين، حيث الناس العاديون هم الذين يطالبون بالتغيير، ويرى أن ذلك حدث بفضل الأدب.