"ألف فتاة مثلي": الألم أقوى دائمًا

04 أكتوبر 2019
الصورة
خاطِرة الأم ـ الشقيقة: استحالة النسيان (الملف الصحافي للفيلم)
تتمنّى الشابّة الأفغانيّة خاطرة غولزاد (23 عامًا) أن يموت والدها في السجن، كي ينتهي كلّ شيء. العجوز التي تشاركها الغرفة ترى أنّ "هذا رجل سيئ للغاية"، لذا "فهو لن يموت أبدًا". هذا اختزالٌ للمضمون الوثائقيّ لـ"ألف فتاة مثلي" (2018)، للأفغانية ساهرة ماني، المُشارك في الدورة السادسة لـ"أيام فلسطين السينمائية"، المُقامة بين 2 و9 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، في مدنٍ فلسطينية مختلفة (تنظيم "فيلم لاب ـ فلسطين"). اختزال يؤسّس لنصٍ توثيقي، يعكس المسار الجحيميّ لغولزاد، منذ لحظة إعلانها ـ عبر محطة تلفزيونية أفغانيّة ـ جريمة والدها بحقّها. فالأب، العائد إلى كابول بعد إقامة في إيران (وهذا تُردّده غولزاد أكثر من مرة)، يغتصبها مرارًا، ويُنجب منها أولادًا، يبقى منهم اثنان، أحدهما يتعامل معها كشقيقة له، فالأم، بالنسبة إليه، هي الجدّة، أي والدة ساهرة غولزاد.

بسلاسة توثيقية متواضعة، لكن بعمق إنساني وبصري وجمالي، تُقدِّم ساهرة ماني تفاصيل جانبية للنصّ الأصلي. تفاصيل تشي بنواة إضافية للمأساة التي تعيشها خاطرة غولزاد، التي تواجه لوحدها جحيمًا كاملاً، يتمثّل بأبٍ وحش، وبعائلة شبه منفضّة عنها، وبأقارب يريدون الفتك بها لأنها كسرت الصمت والإنكار، وباجتماع يرجّح الكفّة للذكور، وبقضاء يملك قانونًا لحماية المتعرّضات لإساءات وتحرّشات واعتداءات، جسدية تحديدًا، لكنه عاجزٌ عن تطبيقه، فالقانون غير المكتوب مُستمدّ من ثقافة متزمّتة وتربية منغلقة على نفسها، وهذا كلّه يؤدّي إلى خراب كلّ شيء.

جحيم خاطرة غولزاد لن يحجب عنها ضحكة أو ابتسامة، ويدفعها إلى دمعة أو قلق، فيحثّها على بحثٍ دؤوب عن خلاص، بعد استعادة حقّ، وإنْ تكن استعادة الحقّ مجتزأة، فالجُرم واقعٌ، والاعتداء حاصلٌ، والنكبة محفورة في وعيها وانفعالاتها.

لن تُنجز ساهرة ماني فعلاً سينمائيًا، كعادة الصناعة الوثائقية الحديثة. تكتفي بتحقيقٍ مُصوّر، تُدخل فيه شيئًا من متخيّل تريده مقارنة ضمنية بين مدينة وناسها. لقطات تعكس بعض جمال الطبيعة في كابول، في أوقاتٍ مختلفة من النهار والليل، في مقابل تبيان بصريّ عبر حكاية خاطرة غولزاد للوحش الكامن في أبٍ وعائلة واجتماع. ورغم أنّ القضاء منتصرٌ لها لاحقًا، إلا أنّ الخلاص الفعلي كامنٌ في هجرة، تحصل عليها الشابّة في فرنسا، فتُغادر حزينةً، لأن الأم، المرتبكة أحيانًا إزاء مُصيبة ابنتها، تبقى في البلد، وهذا ربما يجلب لها متاعب، ويُعرّضها لمخاطر. والأم نفسها، الداعمة لابنتها، تقول في لحظات عديدة إنّ الابنة مخطئة بإعلان مُصيبتها تلفزيونيًا، بينما الأشقاء صامتون (أحدهم يرفض الاستمرار في تصوير العائلة والحكاية)، وبعضهم يغادر المنزل، وبعضهم الآخر عاجزٌ عن الحصول على عملٍ، لأنّ اللقاء التلفزيوني مع شقيقته يُعطِّل عليه حصوله على وظيفة.




التفاصيل الجانبية، التي تصنع شيئًا من جوهر الحكاية وإنْ بشكلٍ غير مباشر، تنفتح على واقعٍ يُستشفّ منه مرارة وخراب. تلجأ خاطرة غولزاد إلى الملالي، فينفضّون عنها. المُلا الخامس عشر يتفهّمها، لكنه يقول لها: "لو أنّ "طالبان" في الحُكم، فإنّ الحَجْر على الأب قائمٌ". هذا تقوله خاطرة نفسها، بتعبير مختلف: "لا قيمة للحكومة. مع "طالبان"، يُشنق (الأب)". لاحقًا، تقول: "لم تمنحني أفغانستان شيئًا آخر غير الشقاء. لم يسمعني أحدٌ، إلى أنْ ظهرتُ على التلفزيون". المرارة قاسية، وقسوتها متساوية والفعل الجُرميّ للأب، تمامًا كانفضاض الآخرين عنها. لكن ظهورها على التلفزيون سيكون عابرًا، في فيلمٍ يبغي توثيقًا لحالة فردية مستلّة من حالات كثيرة تعانيها شابات ونساء أفغانيات، وهذا تقوله خاطرة فتختار ساهرة العنوان من قولٍ لها: "ألف فتاة مثلي".

قبل أقوالها هذا، تظهر خاطرة غولزاد في سيارةٍ، والنافذة الخلفية حيث تجلس مفتوحة. تنظر إلى شيء أو إلى لا شيء، وهي تبوح بنبرة هادئة ومرتبكة قليلاً أنّها تجتهد لنسيان الحدث كلّه، ثم تستدرك قائلة إنّ الألم أقوى دائمًا: "لن أتمكّن أبدًا من النسيان". فهل تُنسيها الهجرة إلى فرنسا هذا الألم كلّه؟

تقول ساهرة ماني إنّ ظهور خاطرة غولزاد على شاشة التلفزيون الأفغانيّ بداية علاقة بينهما. تقول إنّ متابعتها دافعٌ إلى شعور ينتابها إزاء شابّة تبوح بخصوصيّة عميقة في ذاتها أمام الملأ، فتُقرّر لقاءها، متسائلة: "كيف يُمكن لأمرٍ يستحيل أنْ تعيشه فتاة، ومع هذا تبوح به علنًا على شاشة التلفزيون؟". هذا يحثّها على لقائها، فلعلّ خاطرة "تحتاج إلى شقيقة كبيرة لها" (حوار مع لورا سُوريه، منشور في الـ"بلوغ" الخاص بالمُحاوِرة، 8 إبريل/ نيسان 2019).

"ألف فتاة مثلي" مندرجٌ في إطار التحقيقات التلفزيونية، المتمكّنة من امتلاك حساسية بصرية تميل إلى السينما. ميلٌ متواضع، فالثقل الدرامي للقصّة وتفاصيلها، ولمسارات خاطرة غولزاد ومصيرها، أهمّ من أنْ يُلطَّف بمسحات سينمائية. رغم هذا، تُنجز ساهرة ماني لقطات تُخفِّف بعض هذا الثقل، فتلتقط مَشاهد لكابول وناسها، وللطائرات الورقية في سمائها، وللغروب أو النهار. كما أنّها تُقيم مع خاطرة في منازل مختلفة، تضطرّ الشابّة وأمها وولديها إلى التنقّل بينها خوفًا من بطش أعمامٍ. تُصوّرها أمًّا تلعب مع ولديها، أو تحاول تخفيف ألمٍ عنهما، أو تكتفي بالنظر إليهما.

مع هذا، يبقى النزاع القضائيّ، المتساوي والنزاعات المختلفة المتأتية من الاعتداءات المتكرّرة للأب عليها، أكثر حضورًا.