"أعمى كلغة الأم": رحلة المهاجر ك

نيويورك
ابتسام عازم
16 اغسطس 2018
+ الخط -

الدخول إلى قاعة العرض الخاصة بأعمال الفنان العراقي الكردي هيوا ك (1975)، في "المتحف الجديد" في نيويورك، يُشبه الدخول إلى عوالم سينمائية وفنّية متنوّعة في مواضيعها وعرضها.

يحمل المعرض، الذي افتتُح في فبراير/ شباط الماضي، ويتواصل حتى الأحد المقبل، عنواناً ذا معانٍ متعدّدة: "أعمى كلغة الأم". ولكي يفك الزائر شيفراته، عليه أن يعرف بعض المعلومات عن صاحبه.

عاش هيوا ك في العراق، بين مسقط رأسه السليمانية وبغداد، قبل أن يهرب مشياً على الأقدام عام 1996، عن طريق الجبال، إلى الحدود الإيرانية والتركية، ومن ثمَّ توجّه إلى اليونان، وصولاً إلى برلين حيثُ استقرّ أخيراً.

بشكل عام، يستخدم هيوا ك الأسلوب المفاهيمي في أعماله التي تتوزّع بين الرسم والفيديو والتصوير وغيرها. كما أن له تجارب موسيقيّة. أمّا مواضيعه، فلها ينابيع عديدة؛ منها التاريخ الشفوي والأحداث السياسية والاجتماعية وتجاربه الشخصية، مثل هروبه من العراق وسنوات المهجر.

يجمع معرضه الفردي الأوّل في الولايات المتّحدة عدداً من الأعمال التي أنجزها في العقد الأخير. أحد الأعمال اللافتة فيديو مدّته 18 دقيقة، أنجزه عام 2017، ويحمل اسم "ما قبل الصورة (أعمى كلغة الأم)"، وقد عُرض لأوّل مرّة في فعاليات الدورة الرابعة عشرة من "معرض دوكومينتا" في أثينا العام الماضي، والذي يُخصّص لموضوعات تتعلّق بقضايا الهوية والهجرة، وصادف عرضُه فترةَ ما بعد الموجة الأخيرة لنزوح عدد كبير من السوريين وغيرهم من سكّان المنطقة إلى أوروبا.

يتتبّع الفيلم الطرق التي سلكها مهاجر يدعى ك إلى أوروبا. وعلى الرغم من أن العمل مبنيٌّ بشكل جزئي على تجربة الفنان هيوا ك، فإنه ليس بالوثائقي. يذهب المشاهد مع الراوي إلى تلك التلال والطرق التي يسلكها المهاجر في طريقه الطويلة. لكن المثير أن الأخير لا يقطع تلك المسافات على الأقدام بشكل عاديّ، بل وعلى رأسه تجهيز كامل، عبارة عن ماسورة طويلة يضعها على أنفه وعلى طرفها من أعلى عددٌ من المرايا الشبيهة بمرايا السيارات.

مشهد المهاجر ك. وهو يحاول أن يجد توازنه وسط الحرّ والطرقات من دون أن ينظر إلى الأسفل بشكل مباشر يُذكّر بالنساء، في العديد من المناطق في الشرق، وهن يقطعن المسافات الطويلة وعلى رؤوسهنّ بضائع أو جرار المياه، كما يرمز إلى التيه الذي يعيشه المهاجر في رحلة البحث عن حياة أفضل.

يُرافق صوتُ الراوي بعضَ المقاطع، وفيها يتحدّث عن الظلمة والعمى الذي يصيبه وهو قابع في صندوق داخل سفينة؛ حيث كلُّ شيءٍ من حوله معتم، ما يُفقده البوصلة وشعوره بالوقت والاتجاهات. ويتحوّل لسانه في الساعة المظلمة من الإنكليزية إلى الكردية، اللغة الأم، أو "لغة العمى" في هذا السياق.

في عمل آخر يحمل عنوان "الجرس"، يأتي الفيديو تتويجاً للتعاون الطويل الذي ربط هيوا ك بشخصية نهاد، وهو عراقي كان يجمع الخردة المعدنيّة من مخلّفات الدبّابات والبنية التحتية التي بقيت آثارها من "حروب الخليج" المختلفة، بما فيها الحرب مع إيران، ويقوم بتذويبها وصهرها.

هكذا، تبرُز في أعمال هيوا ك مقدرته على تحليل وربط أمور تبدو بديهية للوهلة الأولى؛ فمثلاً يستعيد لعبة "الدعابل" (البنانير)، فيضعها في سياقات أكثر تعقيداً تتعلّق بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. يمارس الأطفال هذه اللعبة بكرات ملوّنة من الزجاج، أو مواد أخرى، في شوارع العراق. وما يفعله هيوا ك هو المقارنة بين طرق لعبها وهو طفل بين الأحياء العربية والكردية، لافتاً الانتباه إلى الفروقات في ممارستها، ليس فقط في ما يخصّ قوانين اللعبة، بل حجم الخسارة والربح المسموح به.

ويعزو الفنّان العراقي تلك الفروقات إلى النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي بدأ يجتاح المناطق العربية في العراق، وخصوصاً في بغداد، مُعتبراً أن هذا النظام سيطر على طريقة التفكير، وأثّر كذلك على طريقة اللعب بين الأطفال، ما سمح بابتكار قوانين تعكس قوانين السوق الحرّة ومعها إمكانيات خسارة أكبر. لكن هذا النظام الرأسمالي لم تسلم منه المناطق الكردية لاحقاً كذلك.

يُعبّر هيوا ك عن تلك الفروقات بثلاث محطّات داخل معرضه؛ حيث يُرفِق شروحاتِ تُوضّح الفروق في طريقة لعبها بين الأطفال الأكراد والعرب العراقيّين. وفي مستوى آخر، بين لعبها أمس واليوم. أمّا القطعة الثالثة، فهي الفيديو نفسُه الذي يُصوّر فيه طفلاً وهو يصنع تلك "الدعابل"؛ حيث كان الأطفال الأكراد في العراق يصنعونها بأنفسهم، بحسب الفنان. هنا يوظّف هيوا ك الفن المفاهيمي؛ بحيث يطغى الموضوع على التفاصيل الفنّية.

تتميّز أفلام هيوا ك، المقدَّمة في المعرض النيويوركي، بشعرية وتأمّل، من دون أن تخسر من عمقها الجليّ في البحث وطريقة التعبير عن مواضيعها التي تختلف من فيلم لآخر؛ إذ تُحاول الانتصار للحس الإنساني وكل ما هو مختلف ومتّصل بمحيطه.

ذات صلة

الصورة
CHARLOTTE, NORTH CAROLINA - JANUARY 30: Giannis Antetokounmpo #34 of the Milwaukee Bucks reacts following a dunk during the third quarter of their game against the Charlotte Hornets at Spectrum Center on January 30, 2021 in Charlotte, North Carolina. NOTE TO USER: User expressly acknowledges and agrees that, by downloading and or using this photograph, User is consenting to the terms and conditions of the Getty Images License Agreement. (Photo by Jared C. Tilton/Getty Images)

رياضة

لم يكن طريق يانيس أنتيتوكونمبو، لاعب كرة السلة المتألق، الذي انطلق بسرعة البرق ليصبح أحد أفضل اللاعبين في الدوري الأميركي للمحترفين، معبدا بالورود، بعد ظروف صعبة عاشها اللاعب اليوناني.

الصورة

سياسة

تراجعت، اليوم الثلاثاء، شدّة الاحتجاجات الشعبية في مدينة السليمانية شمالي العراق، وذلك بعد يوم دامٍ خلّف ثلاثة قتلى ونحو 30 جريحاً من المتظاهرين بفعل قمع قوات الأمن الكردية المتظاهرين في المدينة وضواحيها.
الصورة

مجتمع

ضرب زلزال بلغت قوته 6.6 درجات على مقياس ريختر ولاية إزمير، غربي تركيا. وشعر سكّان جزيرة كريت والعاصمة اليونانية أثينا بالزلزال، ومركزه بحر إيجه. وتبعه زلزال ثانٍ في البحر ذاته بقوة 5.1 درجات قبالة سواحل آيدن.
الصورة

سياسة

أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الأربعاء، أن تركيا ستعطي اليونان "الردّ الذي تستحقه" في شرق المتوسط، حيث يثير إرسال أنقرة لسفينة بحث عن الغاز في مياه تطالب بها أثينا، توتراً.

المساهمون