"أصول الصفويّين": تاريخ اجتماعي لمنطقة مضطربة

20 يناير 2019
الصورة
(قصر كلستان في طهران، شيّده السلطان الصفوي طهماسب الأول)
+ الخط -

تُركّز الدارسات التي تناولت تاريخ الدولة الصفوية (1501 - 1736) على موضوعَين أساسيَّين: الأسس العقائدية متمثّلةً في التصوّف الإثني عشري الذي تعود أفكاره الأولى إلى صفي الدين الأردبيلي مطلع القرن الرابع عشر، وحروبها مع السلطنة العثمانية التي امتّدت لأكثر من مئة وخمسين عاماً.

شهد الصراع تجاذبات مذهبية في المشرق العربي الذي أصبحت بعض مناطقه ساحات نزاع عاشته مكوّنات اجتماعية عدّة، كما وظّفت حالة الاستقطاب بين الطرفين في سياق العلاقة مع الدول الاستعمارية التي استفادت منه في محطّات مختلفة.

بدأ اهتمام المؤرّخ الأميركي من أصل فلسطيني ميشيل مزّاوي بهذه الحقبة التاريخية، منذ تقديمه أطروحته التي نال عليها شهادة دكتوراه من "جامعة برينستون" في الولايات المتّحدة عام 1956، وهي أساس كتابه "أصول الصفويّين: تشيّعٌ وتصوّفٌ وغلوّ" (1972)، والذي صدرت نسخته العربية حديثاً ضمن سلسلة "ترجمان" عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" بترجمة السوري ثائر ديب.

قدّم مزّاوي مساهمات أخرى حول الموضوع نفسه، من خلال دراساته: "الشاه طهماسب ويوميات مارينو سانوتو"، و"التاريخ الفكري الإسلامي خلال القرن الثامن عشر"، كما حرّر كتاب "إيران الصفوية وجيرانها". تبحث كلّ تلك الأعمال في التاريخ الاجتماعي والسياسي والديني لإيران والعراق والأناضول، أواخرَ القرون الوسطى، أي في فترة كانت شديدة الاضطراب، وضمن جغرافيا تداخلت فيها قوميات عدّة، وحكمتها دول وإمبراطوريات.

يعود المؤلّف إلى غزو المغول للعالم الإسلامي في بدايات القرن الثالث عشر وظهور دويلات عدّة تنازعت في ما بينها قرابة ثلاثة قرون، بدأ خلالها الحكم المغولي بالتفكُّك والضعف خاصة في بلاد فارس التي تنامى فيها حكم عدد من العائلات، بدءاً من الدولة الإيلخانية، ثم فترة حكم تيمورلنك، فبروز اتحادَي القرا قوينلو والآق قوينلو التركمانيَّين، وصولاً إلى سيطرة الصفويّين عليها بحلول عام 1501.

ينتقل مزّاوي بعدها إلى فهم الخلفيات الفكرية والدينية التي مهّدت لهذه التغيّرات السياسية، حيث يستعرض أعمال أربعة علماء خلال السيطرة المغولية الإيلخانية في العالم الإسلامي؛ وهم: نصير الدين الطوسي الذي نظّر للإمامة، والعالم الاثني عشري ابن المطهّر الحلّي الذي خاض جدالات كبرى مع ابن تيميّة ممثّلاً للحنابلة، وفضل الله بن روزبهان الخنجي ممثّلاً للأشاعرة خلال فترةٍ تعايَشت فيها شتّى الآراء الدينية الإسلامية، بحسب الكتاب.

ويدرس المؤلّف، أيضاً، استناد الدولة الصفوية إلى طريقة صوفية ابتدعها صفيّ الدين الأردبيلي، الذي استطاع أتباعه بعد أقل من قرنَين جعل إيران دولة موحَّدة، وأقاموا فيها المذهب الاثني عشري الذي امتزج بالتصوُّف، والذي يقرأه في إطار حركات الإسلام الشعبي التي سادت بعد الغزو المغولي، مستعرضاً عدداً منها؛ مثل ابن مكّي والسربدارية، وابن فهد والمشعشعية.

يستعرض مزّاوي الأفكار التي مثّلتها تلك التيارات وتأثيرها في العالم الإسلامي وظهور العديد من الطرق الصوفية الجديدة، ومنها النقشبندية على يد بهاء الدين النقشبندي، والطريقة النوربخشية على يد محمد نوربخش، والبكتاشية والبيرمية في الأناضول والتي لا تزال قائمةً إلى اليوم.

المساهمون