"أرض مجهولة": آلان كوربان في ما غادره المؤرخون

05 يونيو 2020
الصورة
كوربان في مكتبته، 1992 (لوي مونييه)

بثقة كبيرة، تعلن البشرية اليوم معرفتها بالفضاء الذي تتحرّك فيه. تتجلّى هذه الثقة في الخرائط التي لم تعد تشير فقط إلى أسماء القارات والبلدان، بل إنها تقدّم معلومات ضافية عن التضاريس والثروات الكامنة في بطن الأرض وتقيس عمق البحار أو تعطي فكرة عن الكثافة السكانية في بقعة من الأرض والطرق الرابطة بين نقطة وأخرى. هكذا تغلي خرائط اليوم بالمعارف، معلنة سيطرتها على المكان.

من الخرائط، ينطلق المؤرخ الفرنسي آلان كوربان (1936) في مغامرة جديدة؛ كتابة تاريخ الجهل، فقد كانت شرارة هذا المشروع ورود عبارة "أرض مجهولة" Terra Incognita في خرائط القدماء، وتعني تلك المناطق التي لا يستطيع راسم الخريطة - وأهل العلم في عصره بشكل عام - أن يقول عنها شيئاً. لم تعد عبارة "أرض مجهولة" ترد على أية خريطة اليوم، بل لا معنى لحضورها بعد عصر الاكتشافات الجغرافية الكبرى منذ قرون، ثم مع التطوّر التكنولوجي الذي بات يتيح سبر أغوار الطبيعة فيعرف عنها الإنسان أكثر مما يعرف عن جسده الذي يعايشه طول الوقت. فما الذي يعنيه الجهل اليوم، وما الذي يبرّر التأريخ له؟

"تاريخ الجهل سؤال جوهري"، هكذا يفتتح كوربان كتابه الصادر حديثاً بعنوان "أرض مجهولة: تاريخ للجهل" (منشورات ألبان ميشال، 2020) في إشارة إلى استغرابه من غياب هذا الموضوع من مدوّنة المؤرخين. هذا الاستغراب هو مدخل كوربان المفضّل إلى مواضيعه التي تناولها سابقاً، فقد سبق أن تساءل: كيف تغافل البشر عن كتابة تاريخ الصمت؟ وكيف فعلوا الأمر ذاته مع تاريخ المشاعر؟ إلى غير ذلك من الأسئلة الإنكارية التي تلعب دوراً أساسياً في وضع القارئ ضمن العوالم العجيبة التي يقترحها عليه المؤرخ الفرنسي.

لـ"تاريخ الجهل" معنى مخصوص لدى كوربان، فمن البديهي أنه ليس من الممكن أن نؤرّخ لما نجهل. تاريخ الجهل بالنسبة للمؤرخ الفرنسي هو سلسلة الأخطاء التي كان من الضروري "الاصطدام" بها، والعبارة له، كي نتجاوز حالة عدم المعرفة. أخطاء يصف المؤرخ بعضها باللامعة والعبقرية، ويعتبرها سنده في مغامرته الطريفة.

بشيء من التفنّن الأسلوبي الذي عوّد به قرّاءه، والذي ينسجم مع ما يقترحه من مواضيع، يشير كوربان إلى أن البشر في بداية القرن التاسع لم تكن لهم أية معرفة عن أحوال الطقس، ومثّل ذلك شيئاً ما ألقى به العلماء في منطقة "الأرض المجهولة". وقبل 1840 كان الحديث عما في البحر من مخلوقات مقتصراً على خيال الحكّائين، ليصبح بعد قرابة قرن اختصاصاً علمياً معقداً لا يلجه إلا باحث صبور. وقبل القرن العشرين، لم يعرف أحد ما في باطن الأرض إلا ما كانت تقذف به بنفسها من حين لآخر، أما اليوم فقد جرى تفكيك تلك المواد ونزع كل أسطرة منها.

هكذا يربط كوربان بين الجهل والخيال، فكلّما وُجدت "أرض مجهولة" كانت قادحاً للمخيال الذي يعمل مثل آلة تلقائية لملء فراغات المعرفة، وبالتالي فهو شكل من أشكال المعرفة بالنسبة لكوربان، حتى أنه يفترض أن حجم المعرفة لا يكاد يتغيّر في الزمن وإنما نظرتنا إلى العالم هي التي تتغير بتغيّر الأدوات التي نصنع بها المعرفة.

بذلك، فإن تأريخ الجهل هو في النهاية التقاطٌ لتلك الشذرات التي نجدها متفرقة في الأدب وفي الأسطورة وفي الفرضيات العلمية الخاطئة. وهنا تكمن فرادة كوربان، فهو مؤرّخ يقيم وزناً لما يقصيه بقية المؤرخين عادة أو ما يضعونه بأنفسهم ضمن خانة "الأرض المجهولة" ولو لم يعتمدوا هذه التسمية.

استند كوربان في هذا الكتاب على تخصّصه الأصلي في القرن التاسع عشر، فذلك القرن هو منعطف في تاريخ العلوم، وبالتالي فقد انجرّت عنه تغيرات عميقة في علاقة البشرية بالكون، حيث امتلكت الأدوات النظرية والتقنية التي أتاحت لها أخيراً مسح عبارة "أرض مجهولة" من الخرائط، أحياناً انطلاقاً من يقين ثابت ومرات بتوهم هذا اليقين.

لا يزال كوربان، وهو في منتصف العقد الثامن من عمره، يفاجئ قرّاءه باقتحامه مغامرات في مواضيع مبتكرة، ومن أعماله نذكر: "التشبه بالقدامى والحداثة" (عن تاريخ الكلمات المهجورة، 1975)، و"بنات العرس" (عن تاريخ الحرمان الجنسي، 1978)، و"الخمّ والنرجس" (عن تاريخ حاسة الشم)، و"نواقيس الأرض" (عن تاريخ الإنصات، 1994) و"تناغم الملذات" (عن تاريخ المتعة الجنسية، 2007)، و"نعومة الظل" (عن تاريخ الشجر، 2013)، و"تاريخ الفحولة" (بالاشتراك، 2011)، و"تاريخ الصمت" (2016)، و"تاريخ المشاعر" (بالاشتراك، 2017). إن مدونته باتت اليوم أقرب إلى موسوعة للمواضيع التي غادرها المؤرخون من دون بحث عن إجابة.

تعليق: