وعود الدول في "كوب 26"... ما مدى تأثيرها على مستقبل الأرض؟

وعود الدول في "كوب 26"... ما مدى تأثيرها على مستقبل الأرض؟

06 نوفمبر 2021
لا بدّ من الشروع الآن في التدابير اللازمة لحماية الكوكب (كريستوفر فورلونغ/ Getty)
+ الخط -

شهد الأسبوع الأوّل من جلسات الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (كوب 26) في غلاسكو باسكتلندا، إطلاق سلسلة من الوعود من الدول المشاركة حول التخفيف من انبعاثات غازات الدفيئة، غير أنّ تقييم تأثيرها على الاحتباس الحراري في المستقبل ما زال صعباً في هذه المرحلة.

وكان اتفاق باريس للمناخ (2015) قد حدّد أهدافاً متمثلة في حصر ارتفاع درجات الحرارة ما بين 1.5 درجة مئوية ودرجتَين مئويتين. لكنّ الالتزامات بخفض انبعاثات غازات الدفيئة لعام 2030 التي قُطعت قبل "كوب 26" كانت تقود الكوكب نحو ارتفاع "كارثي" من 2.7 درجة مئوية أو 2.2 درجة مئوية مع أخذ وعود الحياد الكربوني بعين الاعتبار، بحسب التقرير المرجعي السنوي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة.

وأفادت دراسة علمية نشرتها الأمم المتحدة، أوّل من أمس الخميس، على هامش مؤتمر الأطراف "كوب 26"، بأنّ الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون قفزت في 2021 إلى مستويات قريبة من تلك القياسية المسجّلة في خلال فترة ما قبل جائحة كورونا التي تسبّبت في شلل اقتصادي عالمي أدّى إلى انخفاض كبير في انبعاثات غازات الدفيئة.

ومع أخذ خطط الدول لخفض الانبعاثات المعروفة باسم "المساهمات المحدّدة وطنياً" المنقّحة وغير المنقّحة، من المتوقّع أن تزيد انبعاثات غازات الدفيئة بنسبة 13,7 في المائة في عام 2030 مقارنة بعام 2010. وحصر ارتفاع درجات الحرارة بعتبة 1.5 درجة مئوية يتطلّب خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 45%، بيد أنّ الدراسة لا تذكر تأثير هذه التغيّرات في الانبعاثات على درجات الحرارة ولم يعدّل التقرير السنوي للأمم المتحدة توقّعاته حتى اللحظة لأنّ القيام بذلك ما زال "مبكراً جداً"، بحسب ما قالت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إنغر أندرسن، لوكالة "فرانس برس"، أمس الجمعة. وقد أكّدت أنّه من الأساسي أوّلاً أن تُدرس تفاصيل وعود الدول، وتقديرات الأمم المتحدة مبنيّة على العلم والحسابات التي تستغرق وقتاً.

حصر الاحترار بـ 1.9 درجة مئوية؟

وبحسب تقديرات لجامعة "ملبورن" الأسترالية، فإنّه "للمرّة الأولى في التاريخ، يمكن للتأثير الكلي لالتزامات 194 دولة أن يحدّ من ارتفاع درجات الحرارة إلى أقلّ من درجتين مئويتَين"، لكنّ احتمال حدوث ذلك هو 50%. ويقدّر العلماء إمكانية حصر الاحترار بـ1.9 درجة مئوية إذا احتُرمت كلّ الوعود، بما فيها الأهداف قصيرة المدى والالتزامات بتحقيق الحياد الكربوني بحلول منتصف القرن الجاري.

حصر ارتفاع درجات الحرارة بـ 1.8 درجة مئوية؟

من جهته، أكّد مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول، أوّل من أمس الخميس، أنّ التحاليل التي أعدّتها فرق الوكالة والتي لم تُنشر بعد تشير إلى أنّ الالتزام بكلّ الوعود التي أُعلن عنها في "كوب 26" قد يؤدّي إلى حصر ارتفاع درجات الحرارة بـ1.8 درجة مئوية. لكنّه لفت إلى أنّ هذا المسار يعتمد بشدّة على خفض سريع لانبعاثات غازات الدفيئة ثمّ تحقيق الحياد الكربوني. وشدّد بيرول على أنّ "المهمّ هو أن تحوّل الحكومات وعودها إلى سياسات واستراتيجيات واضحة وموثوقة".

اختفاء بلدان من الخريطة؟

وترى منظمات غير حكومية أنّ سقف 1.5 درجة مئوية الذي صار عدم تخطّيه الهدف الرئيسي لتجنّب أسوأ آثار التغيّر المناخي على الكوكب، سوف يتمّ تجاوزه. لكنّه "في حال وصلنا إلى عتبة 1.5 درجة مئوية، سوف تختفي بعض بلدان من الخريطة بكلّ بساطة"، بحسب خوان بابلو أوسورنيو من منظمة "غرينبيس". لذا، "فإنّ نتيجة هذه الحسابات هي أنّنا لسنا في حاجة إلى مجرّد كلام، بل إلى أفعال". وقد شدّد شدّد المبعوث الأميركي للمناخ جون كيري، في خلال مؤتمر صحافي أمس الجمعة، على أنّ "ثمّة عملاً ما زال علينا القيام به".

هل تنتهي الحرب ضدّ الاحتباس الحراري قريباً؟

وعلى الرغم من بعض إعلانات "مرحّب بها" في الأسبوع الأوّل من مؤتمر الأطراف "كوب 26"، ما زالت أندرسن غير مقتنعة بأنّ "الحرب" ضدّ الاحتباس الحراري سوف تنتهي قريباً، بحسب ما أكّدت في حديثها إلى "فرانس برس". فالأمم المتحدة تعقد مؤتمرات المناخ سنوياً منذ عام 1995، باستثناء عام 2020 بسبب أزمة كورونا، وهو ما يعني بحسب أندرسن أنّ "أكثر من ربع قرن مرّ على هذا الكلام وما زلنا نتكلّم. واليوم نحن في مؤتمر كوب 26. لقد أحرزنا تقدّماً لكنّه ليس بالسرعة الكافية"، مشدّدة على "وجوب أن يبدأ الفعل حالاً".

وقد أعلنت الهند والبرازيل والأرجنتين في خلال الأسبوع الأوّل من مؤتمر الأطراف "كوب 26" تعزيز أهدافها على المدى المنظور، وكشف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، يوم الإثنين الماضي، أنّ الهند حدّدت لنفسها هدفاً لتحييد أثر الكربون بحلول عام 2070. والتزمت كذلك نحو 100 دولة بخفض انبعاثات غاز الميثان بنسبة 30% بحلول عام 2030. لكنّ "القول شيء والفعل شيء آخر" بحسب أندرسن التي أسفت للنقص في "القيادات".

أضافت أندرسن: "نعرف منذ فترة طويلة أنّه يتوجّب علينا العمل ونعرف الحلول (...) وشهدنا على تغيّرات، لكنّه لا بدّ لنا من أن نُسرع"، مشيرةً إلى أنّ "الشبان والشابات في الشارع اليوم من أجل ذلك". وتابعت أندرسن أنّه "بحلول عام 2100، لن أكون هنا. لكنّ الطفل الذين ترونه في عربة أطفال في الشارع قد يكون ما زال على قيد الحياة حينها. هل نترك له عالماً ارتفعت الحرارة فيه ثلاث درجات مئوية أو 1.5 درجة مئوية (هدف اتفاق باريس)؟".

ورأت ضرورة "الإصغاء" إلى آلاف الشبان والشابات الذين يحتجّون، لافتة إلى أنّ القرارات الواجب اتّخاذها لإزالة الكربون من الاقتصاد والابتعاد عن الفحم والوقود الأحفوري بشكل عام وكذلك وقف إزالة الغابات، ليست سهلة. لكنّها أصرّت على أنّها "سوف تزداد صعوبة كلّما انتظرنا أكثر".

بالنسبة إلى أندرسن، سوف يكون لإزالة الكربون من الاقتصاد تأثير على العاملين في القطاعات التي تحتاج إلى التحوّل، لذلك "علينا أن ننفّذ هذا التحوّل بتعاطف وبروح قيادية". وأكملت: "لنكن واقعيين. الناس الذين يواجهون العواصف والحرائق والفيضانات هم أكثر عدداً في العالم من عمّال المناجم أو عمّال النفط... لا أريد أن أبدو من دون إحساس، لكنّ التأثير على الآخرين هائل لدرجة تتطلّب منّا أن نتحمّل المسؤولية ونقوم بهذا التحوّل".

وأكّدت أندرسن أنّ الإعلانات التي صدرت هذا الأسبوع هي "موضع ترحيب"، لا سيّما تلك المتعلقة بغاز الميثان، وهو من غازات الدفيئة وأشدّ تأثيراً بكثير من ثاني أكسيد الكربون. وشرحت أنّه "نظراً إلى أنّنا لم نقم بما يتعيّن علينا القيام به منذ مؤتمر الأطراف كوب 1، وهو تقليل بصمتنا الكربونية"، فإنّ معالجة الميثان أوّلاً هي أحد "الحلول السريعة" المتاحة. لكنّها حذّرت من أنّ "هذا ليس تفويضاً مطلقاً لقطاع النفط والغاز"، مؤكدة أنّ "هذا مهم، لكنّه لا يعني أنّنا انتصرنا في الحرب. لقد وضعنا علامة في مربّع واحد فقط".

ورحّبت أندرسن كذلك بالالتزامات الجديدة التي أعلنتها بعض البلدان في ما يتعلق بمكافحة إزالة الغابات، حتى لو "كنّا قد سمعنا ذلك من قبل"، معربة عن أسفها "لأنّنا نوجّه اللوم فقط إلى الذين يقطعون الغابات". وأصرّت على أنّه "يتوجّب علينا كذلك أن نلوم أنفسنا، نحن المستهلكين في الغرب، الذين يُعدّون أحد محرّكات استمرار إزالة الغابات"، من خلال شراء منتجات تحتوي على زيت النخيل الذي لا نعرف مصدره (على سبيل المثال).

وأوضحت أندرسن أنّ كلّ ما ينبغي القيام به، من حماية الغابات إلى التخلّي عن الوقود الأحفوري، لا يمكن أن يحدث "بين عشيّة وضحاها"، لكنّه "لا بدّ من الشروع الآن في التدابير اللازمة لكي نأمل في تقليل الانبعاثات بنسبة 45% بحلول عام 2030 والحدّ من الاحتباس الحراري عند 1.5 درجة مئوية".

وبينما لم يتبقَّ إلا أقلّ من عشر سنوات على ذلك، قالت أندرسن إنّه "قد فات الأوان منذ فترة طويلة جداً... وانتظار اللحظات الأخيرة للتحرّك ليس أفضل طريقة لنعلن ما نريد القيام به".

(فرانس برس)

المساهمون