ملّاحات أنفه... هروب من الأزمات إلى حياة مدهشة

طرابلس
أورنيلا عنتر
19 نوفمبر 2020
+ الخط -

على ساحل البحر الأبيض المتوسط، تشتهر بلدة أنفه في شمال لبنان باستخراج الملح، حتى باتت ملّاحاتها معلماً معروفاً في البلاد، أما الملّاحون أنفسهم فلهم حكايات كثيرة في هذه المهنة

يعتقد من يقف على شرفة الطابق العلوي لدير سيدة الناطور، المطلّ على ملّاحات أنفه، أنّه أمام مصانع طبيعية مفتوحة على الشمس والبحر والهواء. أجرانها مربّعة متلاصقة كمكاتب بلا كراسٍ أو أجهزة كومبيوتر، وأكياس الملح البيضاء فيها مرصوفة في صفوف متقابلة كأنها في صالة عرض، يتوسّطها دولاب هواء أزرق كبير كعلامة تجارية لها. أمّا أصحاب الملّاحات والعاملون فيها فيأتون إليها بسعادة كبيرة كأنّهم، على العكس من السائد، مقبلون على عطلة أو نزهة. وفي هذا، يقول جورج، الثلاثيني الذي ورث الملّاحة عن جدّه لأبيه، إنّه يأتي للعمل فيها هرباً من الحياة، كما لو كانت الحياة عملاً والملاحة حياة.

يتنقل حافظ جريج، وهو صاحب إحدى الملّاحات، بين الأجران وكأنه يسير على سطح المياه أو يطفو عليها بخفّة كبيرة. قدماه حافيتان ورأسه تغطّيه قبعة قشّ عريضة تخلق من حوله دائرة من الفيء تنتقل معه من جرن إلى آخر. يلقي التحية على أصحاب الملاحات الأخرى فيما يكنسون أرضيات أجرانها بالمكانس. يقول جريج إنّ والدته جاءت به إلى الملّاحة حينما بلغ السنتين: "لديّ شعور بأنّني ولدت في الملّاحة وأنني أرغب في أن أموت فيها". يضيف ممازحاً: "دائماً ما أطلب من أولادي أن يطمروا جسدي، حين أموت، بالملح بدلاً من التراب".

الصورة
ملاّحات أنفه - نذير حلواني

يعتبر جريج أنّ كلّ من يرث حرفة أو مهنة عن والديه أو جدّيه يعود طفلاً في كلّ مرّة يمارسها مهما ازداد عمراً. يعود بالذاكرة إلى الماضي: "كانت أمهاتنا - نحن أولاد الملاحات - يرتدين فساتين قطنية طويلة مع لفّ رؤوسهنّ بقطع من القماش. وكنا نمسك بأمهاتنا من أطراف فساتينهن خوفاً من أن يبتعدن عنّا ونبتعد عنهنّ". يتذكّر جريج كيف لم يكن أمامه خيار سوى التعلق بفستان والدته لأنّ يديها كانتا مشغولتين دوماً، تمسكان زاد الطعام في الطريق إلى الملّاحة وقساطل الملح عند العودة إلى البيت. كان العمل في الملّاحات مخصصاً للنساء والأولاد، لأنّ الموسم يبدأ وينتهي مع العطلة الصيفية: "يبدأ العمل في يونيو/ حزيران وينتهي مع أول حبات المطر في أكتوبر/ تشرين الأول أو نوفمبر/ تشرين الثاني، وكنا وأمهاتنا اللواتي لا يعملن سوى في البيت وفي تربيتنا، لا شغل لنا في الصيف سوى ملح البحر".

الصورة
ملاّحات أنفه - نذير حلواني

في الماضي، كانت النساء يحملن المياه من البحر إلى الملّاحات. وبقيت النساء على هذه الحال، تنقل كلّ منهنّ دلوها ذهاباً وإياباً، يملأنه من البحر ويفرغنه في الأجران، إلى حين جاء إلى أنفه عالم روسيّ، اسمه ألكسي دويتوفسكي، كانت قد نفته بلاده، في عشرينيات القرن الماضي، واستقبله دير الناطور. يحكي جريج قصّة هذا العالم الذي كان يمضي ساعات النهار في مشاهدة النساء ينقلن مياه البحر بأيديهنّ، إلى أن عرض على أصحاب الملّاحات حلّاً سهّل على النساء والأطفال عملهم ووفّر عليهم الوقت والجهد. يقول: "كانت فكرته بسيطة تقوم على وضع دولاب هواء متصل بمضخة عند شاطئ البحر، من شأنها أن تنقل المياه عبر الأقنية من البحر إلى الأجران كلما هبّ الهواء". ويضيف: " كان أول دولاب هواء في أنفه مصنوعاً من الخشب، وعلى الرغم من فعاليته العالية، فالخشب كان يتصدّع عند أول عاصفة". إثر ذلك، بدأ تصنيع الدواليب من المعدن بدلاً من الخشب، فوضع نحو مئتي دولاب على طول شاطئ أنفه الذي كانت الملّاحات تحتل أكثر من تسعين في المائة من مساحته. 

الصورة
ملاّحات أنفه - نذير حلواني

بعد نقل المياه إلى الملّاحات، يحصل التبخر الأول في أجران عمقها متر أو متر ونصف تسمّى المستودع. في هذه الأجران، تتبخر مياه البحر ويرتفع بالتالي منسوب الملح فيها. في مرحلة لاحقة، تنقل هذه المياه التي تحتوي على نسبة عالية من الملح إلى أجران يتراوح عمقها بين العشرة والعشرين سنتيمتراً، حيث تحصل عملية التبخر الثانية. في هذا السياق، يشير جريج إلى أنّ ملح أنفه ربما يكون الوحيد في العالم الذي لا يحتاج للتكرير. ففي المرحلة الثانية، إذا كان الهواء غربيّاً، يطوف على سطح الأجران ما يعرف بالملح الثقيل. ويشرح: "في هذه الحال، يقوم العاملون في الملّاحات بكنس أسطح الأجران بخفة ومهنية عالية للتخلص من الملح الثقيل الذي لا يصلح للاستخدام. بعد ذلك، يمكن استخراج ملح الطعام الذي يقوم العاملون بملئه في أكياس كبيرة قبل تصريفه، أمّا الملح المرّ الذي يرقد في أسفل الأجران، فيتم أيضاً كنسه والتخلص منه شأنه شأن الملح الثقيل". أمّا "زهرة الملح" فتطوف على سطح الأجران وكأنها تنبت على المياه. فالهواء الشرقي والشمالي الجاف يشكّل بلّورات الملح الرقيقة واللامعة كالكريستال على وجه الماء، وهي من أفضل أنواع الملح وأجودها، بحسب جريج. عندها، يقوم العمّال بجمعها وتوضيبها على الفور في أكياس من دون الحاجة إلى معالجة صناعية أو إضافات كيميائية. 

الصورة
ملاّحات أنفه - نذير حلواني

يأسف جريج للضربات المتتالية التي تعرّض لها هذا القطاع، وأبرزها فتح باب استيراد الملح من الخارج من دون فرض أيّ رسوم جمركية عليه. ويعدّد: "اندثار عدد كبير من الملاحات التي كانت تزين شاطئ أنفه، بالإضافة إلى التهديد الدائم الذي يشكله احتمال إنشاء مشاريع استثمارية ضخمة على الشاطئ". فالملح اللبناني ذو الجودة العالية والملّاحات التي تعدّ معامل طبيعية صديقة للبيئة، لا تلوّث البحر، ولا تقطع التواصل مع البحر ولا تشوّه المنظر الطبيعي، ليست محميّة من قبل الدولة. وعلى الرغم من أنّ مردود إنتاج الملح لا يكفي لإعالة أسرة صغيرة أو حتى فرد واحد، يواظب هؤلاء على الحفاظ على الملّاحات وعلى حرفة صناعة الملح اللبناني.

قضايا وناس
التحديثات الحية

نادراً ما يحتاج أصحاب الملّاحات إلى توظيف عمّال لمساعدتهم في استخراج الملح وتوضيبه، إذ لطالما كانت هذه الحرفة شأناً عائلياً بحتاً. تقول إيفانا البالغة من العمر ست سنوات إنّها تساعد والديها في العمل. ترتدي لباس البحر تحت فستانها وتحمل منشفتها بيد وتقول: "أنا مسؤولة عن فتح الأكياس التي يملأها والدي بالملح". من جهتها، تقول جنان، التي تستثمر وزوجها إحدى الملاحات، إنّها تعمل فيها مع زوجها وابنهما وبناتهما الثلاث. وتضيف: "العمل في الملّاحة ممتع جداً، ليس بالنسبة لنا وحسب، إنّما بالنسبة لأولادنا أيضاً ممن يرثون الحرفة عنّا كما ورثناها عن أهلنا". يشير جريج، في السياق نفسه، إلى أنّ من الصعب على أولاد الملّاحات الذين أمضوا فيها كلّ مواسم الصيف من دون استثناء، أن يبتعدوا عنها، كما يصعب عليهم ألّا ينقلوا الحرفة لأولادهم من بعدهم. ويختم: "على الرغم من إمضاء عمرنا بين الملّاحات وأجرانها، فالبحر والهواء والخفّة التي طبعت طفولتنا وأيامنا التي تلت ما زالت تدهشنا حتى اليوم. أعتقد أنّ فعل الدهشة هو الذي يربطنا بهذا المكان".

المساهمون