مدينة رفح... نزوح عكسي للغزيين إلى وسط القطاع

مدينة رفح... نزوح عكسي للغزيين إلى وسط القطاع

16 فبراير 2024
نزحوا من رفح على أمل النجاة (Getty)
+ الخط -

اضطرار أعداد كبير من النازحين إلى رفح إلى النزوح العكسي

تحذيرات متواصلة من وقوع كارثة في حال اجتياح الاحتلال لرفح

الاحتلال يواصل العقاب الجماعي بفرض النزوح القسري على الفلسطينيين

لم يجد آلاف الغزيين من بديل غير النزوح إلى وسط قطاع غزة، في ظل التهديدات الإسرائيلية بعملية برية في مدينة رفح، التي أجبرهم الاحتلال على النزوح إليها، من دون أن يعني خيارهم الأمان.  

في ظلّ التهديدات الإسرائيلية المستمرة على مدينة رفح، وعدم اكتراث إسرائيل لكل نداءات المنظّمات الدولية والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية التي طالبتها بالتراجع عن العملية العسكرية في المدينة، اضطرت أعداد كبير من النازحين إلى رفح إلى النزوح العكسي والعودة إلى التمركز في وسط قطاع غزة، من دون أن يوفر لهم ذلك الأمان بالضرورة. 

نزوح الناس من رفح بسبب التهديد المتواصل وعدم التدخل لمنع الاحتلال من القيام بالعملية العسكرية لم يجر بحسب تعليمات جيش الاحتلال، الذي كان يرتكب المجازر ويلقي المنشورات عبر طائرات مسيرة من أجل الإخلاء نحو الجنوب. هذه المرة، اتخذ الغزيون قرارهم بأنفسهم في ظلّ فقدانهم الأمل في أي أمان في مدينة رفح.
لم يكن من خيار أمام النازحين سوى التوجه إلى وسط القطاع الذي كان بالنسبة إليهم أكثر استقراراً، بعدما أعلن جيش الاحتلال الانتهاء من بعض العمليات فيه، على الرغم من الدمار الكبير في مخيم البريج وبعض مناطق مخيم النصيرات والمغازي ودير البلح، التي لجأ إليها آلاف النازحين من مدينة رفح خلال الأيام الأخيرة.

وبحسب تقديرات المكتب الإعلامي الحكومي، فقد نزح الآلاف من مدينة رفح إلى وسط قطاع غزة. كما نزح البعض من مناطق شمال القطاع إلى المحافظة الوسطى التي تضم مدينة دير البلح ومخيم دير البلح ومخيمات البريج والمغازي والنصيرات.

أحمد الحصري نزح للمرة السابعة خلال العدوان، وهو من سكان مدينة غزة في حي تل الهوا. بداية، نزح عند الهجوم الإسرائيلي على أبراج تل الهوا وسط مدينة غزة إلى مدرسة في الحي نفسه، ثم إلى مخيم النصريات، ثم إلى دير البلح، وبعدها إلى مدينة خانيونس حيث نزح فيها مرتين إلى أن استقر في خيمة في مدينة رفح كان قد صنعها بنفسه. 

غزة (محمد عابد/ فرانس برس)
أجبروا على النزوح (محمد عابد/ فرانس برس)

الحصري وشقيقاه وأبناؤهما البالغ عددهم 24، قرروا التوجه إلى مدينة دير البلح ووصلوا صباح الأربعاء الماضي إلى أرض فارغة قرب إحدى المدارس التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، حتى يبقوا مسجلين لديها ويحصلون على غذاء منها، على أمل أن تكون هذه المنطقة أكثر أماناً من المناطق الأخرى القريبة من البحر أو شارع صلاح الدين باتجاه الشرق.

يشير الحصري إلى أن العديد من النازحين غادروا مدينة رفح بواسطة مركبات وعربات تجرها دواب، متوجهين إلى أمكنة يمكن أن تكون أكثر أماناً من مدينة رفح، عبر شارع الرشيد المطل الذي يعتبر أطول ثاني شوارع قطاع غزة، إذ إن شارع صلاح الدين يعد خطراً وطائرات الاستطلاع الإسرائيلي تطلق النار على الموجودين فيه.

الحصري (34 عاماً) يقول لـ "العربي الجديد": "قررنا التوجه مع أفراد العائلة إلى دير البلح خشية على أرواحنا التي أصبحت غير مهمة بالنسبة لعدو يقتلنا في كل مكان. أصيب شقيقي خلال الهجوم الأخير على مدينة رفح، فأيقنّا أنه لا أمان في البقاء في رفح. ندرك أن توجهنا إلى دير البلح لن يكون آمناً، لكننا نريد تجنب العملية العسكرية البرية في رفح، ولا أريد خسارة أطفالي الثلاثة".

كان الحصري يقطن في خيمة قرب الحدود المصرية، وكان يعيش أوقاتاً صعبة جداً. قبل مغادرته، فكك خيمته التي صنعها من الجلد ونقلها معه من مدينة غزة أثناء النزوح خلال فترة الهدنة نهاية شهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. كما جمع كل ما يستطيع حمله من ملابس وحطب على عربة يجرها حصان أقلته إلى مدينة دير البلح، ولا يعرف المصير الذي سيواجهه بعد.

ويسير النازحون حاملين أثوابهم وفراشهم وأغطيتهم وطعامهم رغم قلته وغيرها من الأغراض التي توضع في شاحنات أو عربات متنقلة تجرها حيوانات. ومن بين هؤلاء عائد أبو عطية (40 عاماً). سار أبو عطية برفقة أشقائه وابنه الأكبر وصولاً إلى قرية الزوايدة المحاذية لمدينة دير البلح، واستقروا قرب مدرسة تابعة لأونروا. نقل متعلقات أسرته بالكامل على عربة وحدد نقطة الوصول. وبسبب امتلائها، اضطر إلى السير مع المئات إلى أن وصلوا إلى المكان المراد، وباشر في نصب الخيمة التي حصل عليها من المساعدات القطرية كما يوضح.

وهذه رحلة النزوح السادسة بالنسبة إلى أبو عطية منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. كان يقيم في مخيم الشاطئ، ومنه توجه إلى مخيم النصيرات ثم إلى مخيم البريج ودير البلح، ثم مدينة خانيونس وبعدها إلى رفح وتحديداً قرية الزوايدة. كان يشعر بضغط نفسي كبير واضطر إلى اتخاذ قرار النزوح سريعاً، وخصوصاً أن أطفاله وزوجته كانوا يشعرون بالقلق. يقول أبو عطية لـ "العربي الجديد": "منزلي دمر في مدينة غزة بالإضافة إلى منزل أشقائي، وتحول مخيم الشاطئ إلى منطقة موت كبيرة. لا يمكن التفكير في الكثير من الأماكن للنزوح. فكرنا أنّ أهدأ المناطق قد تكون مدينة دير البلح وبلدة الزوايدة وأتمنى ألا يلاحقنا الموت لأن صبرنا نفد. نعيش أياماً صعبة، إما النجاة وإما الموت. هذا ما نقوله جميعنا عندما عدنا ونزحنا إلى وسط القطاع".

غزة (محمد عابد/ فرانس برس)
النزوح قدرهما (محمد عابد/ فرانس برس)

لكن أبو عيطة وكثيرين ممن نزحوا استمروا في السير وهم يشعرون بالخوف من اجتياح رفح والسيطرة على المعبر، وبالتالي عدم إدخال المساعدات. بذلك، سيعيشون قلق الخوف من الموت جراء الجوع أو البرد. النسبة الكبرى نزحت إلى مدينة دير البلح والمخيم، فيما توجه آخرون إلى مخيم النصيرات ومحيطه. لكن في ظل تفضيل الكثيرين لمدينة دير البلح، إلا أنها تبلع قرابة 15 كيلومتراً مربعاً. بذلك، لن تكون كافية لاستيعاب أعداد النازحين. والمحافظة الوسطى، ومنها مساحة مخيمات مثل البريج والمغازي القريبة من شرق قطاع غزة، تعد منطقة خطيرة، وتوجد عند الناحية الشرقية مدفعيات وآليات الاحتلال العسكرية.

أولئك الذين نزحوا من مدينة رفح يقيمون في المخيمات على الحدود الفلسطينية المصرية، بالإضافة إلى آخرين كانوا يقيمون في منازل عائلية إلى جانب البعض ممن يقيمون داخل خيام في قلب بعض مدارس أونروا، وهم من الذين استطاعوا نقل خيامهم من مدينة رفح باتجاه وسط القطاع، خصوصاً في مدينة دير البلح. وكان قد نزح عدد من سكان وسط قطاع غزة إلى جنوب القطاع بسبب الاعتداءات المتواصلة عليهم وإنزال منشورات عليهم، خصوصاً مع تحديد مناطق في مخيم النصيرات والبريج وبعض المناطق في الوسط، منهم أحمد البغدادي (29 عاماً) الذي كان يقيم في مخيم النصيرات في بلوك 2 والذي تعرض مراراً للتهديد. وعندما عاد وجد منزله مدمراً، إلا أنه أقام خيمته بالقرب منه.

يقول البغدادي لـ "العربي الجديد": "أنا وعائلتي التي تضم والدتي ووالدتي وأشقائي وزوجتي وابني وعددهم 15 فرداً عشنا أياماً عصيبة جراء دمار المنزل والنزوح خمس مرات وصولاً إلى مدينة رفح. عدنا إلى المنزل هرباً من الموت في رفح. حتى لو جعنا، فإن وجودنا في منطقتها وبالقرب من منزلنا المدمر أفضل لنا من انتظار الموت في رفح". ويشدد على عودة أعداد كبيرة من النازحين الذين كانوا يسكنون في المحافظة الوسطى.

وكانت اللجنة الدولية للصليب الأحمر قد حذّرت من أن الهجوم العسكري الإسرائيلي الوشيك على مدينة رفح قد يكون له أثر خطير، وكذلك حركات نزوح غير مألوفة في المنطقة، معتبرة أن إسرائيل وهي القوة المحتلة وتتحمل بموجب القانون الدولي المسؤولية عن ضمان تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين.

وذكر البيان الذي نشرته مساء الأربعاء أن التهجير القسري محظور بموجب القانون الإنساني الدولي، واستخدام الدروع البشرية والهجمات العشوائية التي تتسبب في مقتل وإصابة وتدمير أعداد غير متناسبة من المدنيين، بينما يجب أن تضمن عمليات الإجلاء وصول المدنيين بأمان، وأن تتوفر فيها ظروف مُرضية لناحية النظافة والصحة والسلامة والتغذية، وألّا يُفصل أفراد العائلة الواحدة، وهو ما لا يتم في قطاع غزة بالمطلق، وسط عمليات نزوح متكررة من دون تحديد مصيرهم.   

المساهمون