مدارس طينية... تلاميذ عراقيون يدرسون على الأرض

31 يناير 2022
عائدات من مدرستهنّ في مخيم للاجئين، دهوك (إسماعيل عدنان/فرانس برس)
+ الخط -

على الرغم من الميزانيات الضخمة التي خُصّصت لمشاريع بناء وإعادة تأهيل المدارس العراقية منذ نحو خمسة عشر عاماً، والتي كان يمكن أن تقضي على العديد من المشاكل التي تواجه قطاع التعليم في البلاد، من بينها المدارس الطينية وقلة أعداد المدارس، الأمر الذي يؤدي إلى الاكتظاظ والاعتماد على دوامات ثلاثة للتلاميذ، تستمر المشاكل. وتشير الأرقام إلى وجود نحو ألفي مدرسة آيلة للسقوط عدا عن مئات المدارس الطينية ونقص المباني المدرسية.
وغالباً ما يكون الفساد الإداري الحكومي سبباً للمشاكل التي يعاني منها العراق منذ نحو عقدين. ويندر وجود أسرة لا تواجه مشاكل تتعلق بتعليم أبنائها وبناتها. وتفتقد الكثير من المدارس للكراسي والطاولات، الأمر الذي يؤدي بالتلاميذ إلى الجلوس على الأرض. ويتحدث بعض أولياء الأمور عن وجود سرقات في مشاريع البناء والإعمار وإعادة تأهيل المدارس.
في هذا السياق، يقول وكيل وزارة التربية فلاح القيسي إن الوزارة تحتاج إلى 10 آلاف مبنى لسد النقص الحاصل في المدارس، موضحاً أن هذا العدد يتطلب 15 سنة لإكماله، في وقت يوضح أن عدد المدارس الطينية في عموم العراق يبلغ نحو 200 مدرسة غالبيتها في المنطقة الجنوبية، لافتاً إلى أنّ الدوام الثلاثي يكثر في القرى والأرياف.
إذاً، يدرس التلاميذ العراقيون في القرن الواحد والعشرين في مدارس تشكل خطراً على حياتهم، وبعضها بدائي، علماً أنّ أجدادهم كانوا قد درسوا في مدارس تعد الأرقى بين مثيلاتها في الشرق الأوسط. هؤلاء يتهمون الجهات الحكومية بالفساد المالي والإداري الذي كان وراء كلّ ما يصفونه بـ"التخلف" و"التردي" الذي أصاب التعليم والبنى التحتية للتعليم في البلاد.
ويستغرب حسن المحمداوي حال أحفاده الأربعة، لافتاً إلى أنّ الغبار يملأ ملابسهم ووجوههم خلال فصل الصيف. أما في الشتاء، فيعلق الطين فيها. يضيف أنّ الطريق إلى المدرسة التي بناها الأهالي من الطين تقع في الطرف الآخر من قريته التابعة لمحافظة ذي قار جنوبي البلاد.
ويقول المحمداوي لـ"العربي الجديد" إنّه توقع أن يدرس أحفاده في مدارس أكثر تطوراً. يضيف: "في طفولتي عام 1950، درست في مدرسة بنيت من الطابوق، وهو البناء السائد في أحدث مدن العراق آنذاك. وبنيت المدرسة عام 1943 لثلاث قرى فيها عشرات البيوت. كانت مدرستي عبارة عن خمسة صفوف وفيها مرافق خدماتية وساحتان لممارسة الرياضة. وفي عام 2005، هدمت بسبب قدمها وعدم صيانتها من قبل الجهات الحكومية". وكان يفترض أن تبنى مدارس حديثة بحسب المحمداوي، مشيراً إلى أنّ "المماطلة مستمرة. وكان أهالي القرية يضطرون لإرسال أطفالهم إلى مدرسة تبعد أكثر من خمسة كيلومترات عن بيوتهم. ثم كان القرار ببناء مدرسة طينية خصصت لها الوزارة كادراً تعليمياً من معلمي القرى القريبة".
ما تعانيه شريحة كبيرة من العراقيين يتناقض مع ما كان يشهده بلدهم خلال تأسيس الدولة العراقية الحديثة بداية عشرينيات القرن الماضي. وكانت المدارس الطينية قليلة جداً في مناطق الأهوار التي يعيش سكانها في أكواخ مبنية من القصب وفي قرى نائية أيضاً، لكنّها لم تعد موجودة بعد سد النقص.  

ولاحقاً بسبب الحاجة، كثر بناء المدارس الطينية في العراق في القرى والأرياف لضمان مواصلة الأهل تعليم أبنائهم في ظل زيادة أعداد السكان في وقت تشهد مناطق العراق بناء مدارس تستوعب كافة عدد التلاميذ. وتعتمد استمرارية هذه المدارس على جهود الأهالي، وهو ما يؤكده فالح الكاطع، الذي يهتم بتوفير احتياجات المدرسة في قريته من مصابيح الإنارة وصيانة مولد الكهرباء. ويقول لـ"العربي الجديد" إنه يملك ورشة لصيانة مولدات الكهرباء داخل قريته، لكنّه يعمل بشكل تطوعي لصيانة مولد كهرباء المدرسة بالإضافة إلى صيانة الكهرباء في حال حدوث أي أعطال مجاناً. يضيف: "الجميع هنا يتعاونون لتوفير احتياجات المدرسة. وهناك من يهتمون بالأسطح الطينية فيما يتولى آخرون توفير مقاعد أو إصلاحها، ومنهم من يوفر المدافئ في الشتاء ومكيفات الهواء في الصيف".

يقول المتحدث الرسمي باسم مفوضية حقوق الإنسان علي البياتي في حديث سابق في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، إنّ حاجة العراق من الأبنية المدرسية الجديدة تصل إلى أربعة آلاف مدرسة للمرحلة الابتدائية، وثلاثة آلاف مدرسة للمراحل الثانوية، مشيراً إلى أنّ هذا العدد فقط يحل مشكلة الدوام الثنائي والثلاثي في المدارس، ما يعني أنّ الحاجة أكبر بكثير من هذا العدد. كما يؤكد وجود 1500 مدرسة ابتدائية و275 مدرسة ثانوية قديمة وآيلة للسقوط، ما يعني أنها غير صالحة للاستخدام. ويشير إلى تسجيل نحو 820 مدرسة أخرى عبارة عن أبنية طينية، ومخيمات، وصفوف كرفانية (في الكرفانات) في أطراف المدن. ويشير إلى أن هناك ألف مدرسة خاضعة لسيطرة بعض المتنفذين بشكل كلي أو جزئي في عموم البلاد. 

تدرسان في مدرسة متهالكة (كريس ماكغراث/ Getty)
تدرسان في مدرسة متهالكة (كريس ماكغراث/ Getty)

يشار إلى أنّ تطوع الأهالي لضمان استمرار المدارس بات سمة عامة تشهدها العديد من المدارس التي تفتقد لأبسط الخدمات. ويدعو الأهل أن تدوم "هذه النعمة" الآيلة للسقوط، وفق ما يذكر عامر صبار، الذي يدرّس ولده في مدرسة متهالكة في أطراف بغداد الجنوبية. ويلفت إلى أنّه يجب أن تهدم ويعاد بناؤها. ويذكر صبار لـ"العربي الجديد" أنّ المدرسة التي تسمى "نعمة أفضل من مدارس أخرى في المنطقة وتعد أكثر تميزاً، إذ باتت أسقفها وجدرانها مشققة وبلاطها متصدعاً، لكنّ فيها مقاعد تكفي التلاميذ على عكس مدارس أخرى في حينا حيث يجلس بعض الأطفال على الأرض لعدم توفر مقاعد كافية".
صبار وغيره من الأهل يوفرون باستمرار احتياجات المدرسة كل بحسب تخصصه وقدراته، سواء في إصلاح الأبواب والمقاعد والجدران والأسطح، مؤكداً أنّ "المطر لا يصل إلى الصفوف الدراسية كوننا نعالج هذه المشكلة باستمرار".

في طريقهن إلى مدارسهن (زيد العبيدي/ فرانس برس)
في طريقهن إلى مدارسهن (زيد العبيدي/ فرانس برس)

ونتيجة لارتفاع أعداد التلاميذ في مقابل قلة أعداد المدارس التي يمكن أن تستوعب تلاميذ جدد من جراء الزيادة السكانية المستمرة، تلجأ وزارة التربية إلى زيادة عدد التلاميذ داخل كل فصل ليصل أحياناً إلى نحو خمسين في الفصل الذي لا يستوعب أكثر من خمسة وعشرين، بالإضافة إلى جعل الدوام المدرسي ثلاثة دوامات لكلّ مرحلتين دراسيتين تمتد إلى أربع ساعات. كما هناك دوام على فترتين لمدرستين في مبنى واحد. ويبدأ دوام المدرسة الثانية بعد انتهاء دوام المدرسة الأولى ظهراً.
ويضم العراق عدداً كبيراً من المدارس الطينية والكرفانية والمتهالكة، الأمر الذي يستغربه العراقيون الذين كانوا شهوداً على رقي كبير عرفته مدارسهم قبل عقود في البناء والتأثيث. لكنّهم يتوقعون مزيداً من المدارس الطينية من جراء الحاجة الماسة لوجود المدارس بسبب الفساد في إدارة الدولة الذي يمنع بناء مبان جديدة بوسائل حديثة كما عرفها البلد سابقاً".

يرفض مسؤول في وزارة التربية العراقية، خلال حديثه لـ"العربي الجديد" الإفصاح عن هويته خشية تعرضه للقتل من قبل عصابات تتحكم بالوزارة، مشيراً إلى أنّ "تلك العصابات تابعة لأحزاب حاكمة وشخصيات مدعومة من قبل جهات مسلحة". يضيف أنّهم "سرقوا ما يزيد عن 500 مليون دولار كانت مخصصة لبناء مدارس، لكنّنا لم نرَ أيّ مدرسة على أرض الواقع". يضيف: "العراق بحاجة إلى أكثر من 15 ألف مدرسة جديدة فضلاً عن ترميم وصيانة نحو 10 آلاف مدرسة لمنع التصدعات. لكن حتى في أعمال الصيانة هناك فساد كبير". ويقول: "كنت شاهداً على نهضة العراق التعليمية. كنت من التلاميذ المتميزين في سبعينيات القرن الماضي. درست في منطقة نائية بأطراف محافظة بابل (94 كلم جنوب بغداد). لكنّ مدرستي كانت راقية في بنائها وأثاثها. وأذكر جيداً أنّ العراق كان من بين أرقى دول المنطقة في جودة التعليم والأبنية المدرسية. وما زالت الأبنية القائمة منذ خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي شاهدة على ذلك".