شرطة نازية... مخاوف من عنصرية مؤسساتية في ألمانيا

28 سبتمبر 2020
الصورة
مدن عدة شهدت تحقيقات بضلوع عناصر شرطة في تأييد النازية (أومير ميسينغير/ Getty)

لم يعد الحديث عن تطرف يميني لدى بعض الأفراد في مؤسسات حكومية أساسية في ألمانيا مجرد حديث، إذ كشف عن انتماء ضباط شرطة إلى الفكر النازي، ما فتح سجالاً كبيراً في البلاد، وأثار مخاوف تاريخية

إذا كانت الشرطة في بلدين اسكندينافيين؛ الدنمارك والسويد، تُتهم بممارسة العنف، وتثير سجالاً بسبب ظهور بعض أفرادها متعاطفين مع سياسي عنصري مثل راسموس بالودان، بمناولته ماء ليشرب في صيف حار، أثناء حرقه المصحف، ووصول كلفة حماية هذا الشخص إلى 127 مليون كرونه (نحو 20 مليون دولار أميركي) خلال ثلاثة أعوام فقط، فإنّ الصورة في ألمانيا، إلى الجنوب من الدنمارك، ليست أقل قتامة على مستوى تغلغل الأفكار القومية المتشددة، بل النازية الجديدة، في جهاز الشرطة، إلى جانب ما كشف سابقاً عن تغلغل تلك الأفكار في الجيش الألماني.

خلال الأيام الماضية، كُشف في ولاية شمال الراين ويستفاليا الألمانية عن مداهمة 200 شرطي ألماني 34 منزلاً تعود لضباط وعناصر شرطة. في خلفية المداهمة، وبناء على مراقبة جهاز الاستخبارات الداخلي، تبيّن أنّ 29 ضابطاً على الأقل، معظمهم من مدينة إيسن، يتبعون الفكر النازي. الصدمة التي نقلتها بعض وسائل الإعلام الألمانية تتعلق باكتشاف المحققين صوراً للزعيم النازي أدولف هتلر والصليب المعقوف (سواستيكا) وصوراً وهمية للاجئين في غرف الغاز الهتلرية.
وصادر المحققون هواتف وحواسيب الضباط، ووجدوا كماً هائلاً من الأدلة على تطرفهم ونازيتهم. وعلى الفور ذكرت الشرطة الألمانية أنّ 14 ضابطاً من هؤلاء جرى طردهم من جهاز الشرطة الألماني، بحسب ما صرح وزير داخلية ولاية شمال الراين ويستفاليا، هربرت رول. وذكر رول أنّ "المتطرفين اليمينيين والنازيين الجدد لا مكان لهم في شرطة شمال الراين ويستفاليا".

الصورة

اليمين المتطرف في ألمانيا اخترق لسنوات هياكل الجيش والأمن، فبينما كان يجري التركيز على "الراديكالية" بين الألمان من أصل مسلم كانت النازية الجديدة تشق طريقها إلى المؤسستين، قبل أن ينتبه جهاز الأمن الداخلي، وهو الاستخبارات الفيدرالية الموكلة إليه حماية الدستور الديمقراطي لفترة ما بعد النازية، إلى انتشار الأفكار النازية في صفوف مجنّدي الجيش الشبان. كراهية الأجانب جزء أساسي من أفكار تمجيد الماضي النازي في جهازي الشرطة والجيش، بحسب ما تكشف عنه القضايا المتلاحقة خلال الأعوام الماضية. ويبدو أنّ تعبير رئيس جهاز شرطة مدينة إيسن، فرانك ريختر، عن "الصدمة من حجم المعلومات التي كشف عنها التحقيق، من دون أن تشعر إدارة الشرطة بنازية تابعيها من الضباط" لم يخفف من وقع حقيقة أنّ الحركة النازية في ألمانيا استطاعت أن تجند عناصر وضباطاً في الشرطة الموكلة حماية المواطنين بغض النظر عن العرق والأصل. وذكر ريختر، بعد فضح القضية في الصحافة الألمانية يوم 16 سبتمبر/ أيلول الجاري، أنّه "شيء مثير للاشمئزاز حين تطلع على المواد التي تبادلها الضباط في مجموعاتهم الخاصة على واتساب، وبعض تلك المجموعات تعود إلى عام 2013". أي إنّ 7 سنوات مرت والنازية الجديدة تنخر في شرطة ألمانيا، وبالرغم من توالي الشكاوى من عنف الشرطة واليمين المتطرف، لم تحرك قضايا ضد هؤلاء إلّا بعد تدخل جهاز الاستخبارات بالكشف عن "قضية مرعبة" كما وصفتها الصحافة في ألمانيا. 

في البلد الذي استقبل نحو مليون لاجئ عام 2015 وقعت عشرات من الاعتداءات المشبوهة، وعمليات القتل، خصوصاً في الجزء الشرقي من البلاد. ويبدو أنّ اتساع نطاق التعاطف مع الحركة النازية الجديدة وتحولها إلى ظاهرة يعيده بعض المختصين في الشأن الألماني إلى "جرأة معسكر اليمين المتشدد بطرح أفكار عنصرية في السياسة الألمانية، وبالتالي يصبح إبداء التعاطف مع اليمين القومي المتطرف غير مخيف كما في السابق"، وفقاً لصحيفة "سود دوتشه زايتونغ". أسهبت الصحيفة في القول إنّ حالة شمال الراين ليست "حالة منعزلة" بل هي منتشرة في مدن وولايات ألمانية مختلفة، وبعض القضايا الفردية المكتشفة تعود إلى عام 2015. من ذلك ما جرى في مدن هام وأخين ومولهايم، إذ كشف أنّها تضم عناصر شرطة مؤيدة للعنصرية والحركة النازية الجديدة. وقد اعترف وزير داخلية ولاية شمال الراين، هربرت رول، أنّه "دائماً ما كنت أفكر أنّ تلك القضايا (الانتماء للفكر النازي) قضايا فردية معزولة، قبل أن نكتشف أنّها أعمق وأوسع انتشاراً في عدد من المدن".
ويبدو أنّ التعامل بقسوة مع بعض الموقوفين من أصول مهاجرة أو اللاجئين، كما تفصل وسائل إعلام ألمانية، بعد الكشف مؤخراً عن خلية إيسن الشرطية، يأتي على خلفية "كراهية المنتمين للفكر النازي لكلّ ما هو غير ألماني".
سلوك شرطة الشمال الأوروبي، سواء في الدنمارك والسويد، أو في ألمانيا والنمسا وهولندا وبلجيكا وإيطاليا، يثير قلقاً بين مسؤولين سياسيين ومشرعين يتخوفون من تغلغل علني للفكر الفاشي والنازي في أهم مؤسستين؛ الشرطة والجيش. وبحسب تسريبات، فإنّ بعض رجال الشرطة الألمانية يقومون من خلال "مجموعات مغلقة على واتساب" منذ سنوات بإلقاء التحية النازية على بعضهم البعض مع "إرسال الصليب المعقوف ورموز متبوعة بالتحية النازية، ويتبادلون الآراء عن شراء أغطية ومفارش نوم تحمل رموزاً نازية لبيوتهم، إذ إنّهم يشعرون بالأمان وبأنّهم غير مراقبين"، كما نقلت "سود دويتشه زايتونغ" عن تسريبات تخص الكشف عن انتشار مجموعات النازية في سلك الشرطة الألماني، بمن فيهم رجال شرطة المرور الذين اشتكى منهم شباب مهاجرون جرى توقيفهم وتغريمهم من دون أن يخالفوا القوانين، كما حدث في مدينة هام في الأسبوع الأول من سبتمبر/ أيلول الجاري، حيث جرى توقيف ثلاثة من نازيي الشرطة. 

الصورة

وكانت الفترة اللاحقة لمقتل المواطن الأميركي جورج فلويد، في مايو/ أيار الماضي، على يد رجال شرطة بيض في ولاية مينيسوتا، قد أثارت موجة احتجاجات في عدد من دول أوروبا، وعبرت حركة "حياة السود مهمة" في فرعها الأوروبي عن قلقها من تزايد منسوب الكراهية والعنصرية في صفوف شرطة بعض بلدان القارة. وانكشفت مع الوقت، بتسريبات من داخل أجهزة الشرطة الأوروبية، حالات عنف وتوجهات نازية في أكثر من دولة، وإن كان نصيب ألمانيا من هذه التسريبات خلال السنوات القليلة الماضية هو الأكبر.
المخاوف الرسمية في الحالة الألمانية، وفقاً لمصادر "سود دويشته زايتونغ"، تتعلق بجرأة رجال الأمن في اعتبار أنفسهم فوق القانون، وذهاب بعضهم إلى التعبير بشكل صريح عن تدخله في السياسة وإبداء آراء، أثناء الخدمة، بسياسات المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، وتبني اتهامها بـ"الخيانة" على خلفية سياسة الهجرة واللجوء التي انتهجتها منذ 2015. وينتظم بعض رجال الشرطة الألمانية في حركة نازية سرية جديدة، كشف النقاب عنها مؤخراً باسم "حركة مواطني الرايخ" نسبة إلى الإمبراطورية التي وعد أدولف هتلر الألمان بها، مع استيلائه على السلطة في ثلاثينيات القرن الماضي. ويتبادل هؤلاء صحيفة يمينية متطرفة "حرية الشباب" وصحيفة "الأخبار المستقلة" المصنفتين بحسب جهاز الاستخبارات على أنّهما نشرتان صادرتان عن معسكر اليمين العنفي المتطرف، المتهم بارتكاب جرائم إرهابية واغتيال أجانب في بداية الألفية، إذ قتلت الحركة النازية الجديدة ما لا يقل عن 12 ألمانياً من أصول تركية.

في جميع الأحوال، يبدو القلق من اتساع نفوذ واستقطاب جماعات الفاشية والنازية الجديدة لعناصر أمنية، وانتشار جرأة التعبير عن مواقف كراهية الأجانب، تدعمها الاكتشافات المتتابعة في أجهزة ومؤسسات أمنية أوروبية، والتغطية على بعضها، هو الدافع وراء تركيز أجهزة الاستخبارات على اختراق ومراقبة زملائهم في الشرطة. فخوف السياسيين من أن تصبح العنصرية والفاشية ممنهجة وتضرب جذورها في مؤسسات الدول الديمقراطية، وما يمكن أن يخلقه ذلك من استقطاب وفرز مجتمعي يضرب وحدة وديمقراطية دولة القانون والمواطنة، هو أحد أهم دوافع الكشف عن عمق تفشي العنصرية في الشرطة، وليس فقط في ألمانيا التي تعد فيها الحركة النازية بمثابة "عراب" الحركات المتشددة من أقصى شمالي القارة إلى جنوبها وشرقها، بل أبعد من ذلك. وفي هذا الإطار يبرز التعاون النازي والفاشي الغربي مع الفاشية الروسية، بمسمى "أوراسيا"، إذ يلتقي قطبا المعادلة الفاشية الروسية مع الغربية على حقد وكراهية وتحريض على العنف ضد كلّ من هو من أصول غير أوروبية، أو بمعنى أصح ضد غير البيض.