روسيا: توتر بين جاليتي أرمينيا وأذربيجان

21 أكتوبر 2020
الصورة
ورود أمام السفارة الأرمينية في موسكو عن أرواح قتلى كاراباخ (ألكسندر شيرباك/ Getty)
+ الخط -

لا تبقى الجاليتان الأرمينية والأذربيجانية في روسيا، والمقدر تعداد كلّ واحدة منهما بنحو مليوني شخص، بمنأى عن الحرب الجارية في إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه بين يريفان وباكو، بل يسعى أبناؤهما للترويج لمصالح البلدين من موقعهم في موسكو التي تربطها علاقات قوية مع الطرفين المتخاصمين، وتؤدي دور الوساطة بينهما. 
ما كان للتصعيد في كاراباخ أن يمرّ من دون أن يتسبب في التوتر بين جاليتي البلدين، إذ أعربت الجالية الأذربيجانية منذ الأيام الأولى لاندلاع أعمال القتال عن عزمها ملاحقة "اتحاد أرمن روسيا" بسبب إعداده قوائم المتطوعين للقتال في منطقة النزاع، وذلك مقابل اتهامات أرمينية بوجود مرتزقة في منطقة النزاع للقتال في صفوف أذربيجان.

مع ذلك، يعتبر رئيس قسم البحوث في معهد "حوار الحضارات" الدولي، أليكسي مالاشينكو، أنّ الوضع الحالي للعلاقة بين الجاليتين الأرمينية والأذربيجانية في روسيا يمكن وصفه بأنّه استياء متبادل لا يرقى، على عكس الأزمات السابقة، إلى درجة العداوة. ويقول مالاشينكو لـ"العربي الجديد": "لديّ أصدقاء كثيرون من الجاليتين، وألاحظ أنّهم يشعرون بالاستياء المتبادل، لكنّه لا يرقى إلى مستوى العداوة التي كان يصل إليها الأمر سابقاً". وحول المزاج العام السائد في الخطاب الإعلامي الروسي تجاه أزمة كاراباخ، يضيف: "عند مشاهدة البرامج الحوارية، في الإمكان ملاحظة توجه واضح مؤيد لأرمينيا. وفي حلقات كثيرة، تجري دعوة ضيف أذربيجاني واحد، بينما يمثل جميع الضيوف الآخرين مواقف داعمة لأرمينيا أو بالأحرى معادية لتركيا". 
وفي الوقت الذي يوجه فيه رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، اتهامات إلى أذربيجان وتركيا باستقدام المرتزقة من الشرق الأوسط للقتال، داعياً الجنود السابقين إلى العودة لصفوف الجيش الأرميني، تنتشر على شبكة الإنترنت مواقع تدعو أبناء الجالية الأرمينية في الخارج للمشاركة في أعمال القتال في الإقليم المتنازع عليه. 
ويتضمن موقع مركز "فوما" للتدريب، مثلاً، دعوة إلى المتطوعين من أبناء الجالية الأرمينية لتلقي التدريب والانضمام إلى كتيبة تضم متطوعين من أصول أرمينية، وذلك باللغات الروسية والإنكليزية والأرمينية. لكنّ مالاشينكو يشير إلى أنّه يصعب تصور توجه حشود من الأرمن إلى منطقة القتال، لافتاً إلى أنّ مثل هذه الدعوات تتعالى عند كلّ تصعيد في كاراباخ، مشيراً إلى أنّ هذا النزاع هو إثني عميق بلا حلّ في الأفق سوى تجميده، في ظلّ تعارض أحكام القانون الدولي القاضية بحق الشعوب في تقرير مصيرها مع عدم المساس بوحدة أراضي الدول.
والتصعيد الحالي بين أرمينيا وأذربيجان هو ليس الأول من نوعه هذا العام، إذ سبق لعسكريي البلدين أن تبادلوا إطلاق النار على الحدود في يوليو/ تموز الماضي. ووصل صدى النزاع آنذاك إلى روسيا التي شهدت حوادث عراك واشتباك بين أبناء الجاليتين الأرمينية والأذربيجانية أسفرت عن الاعتداء على عدد من المطاعم والمتاجر القومية، وقد اعتقل على إثرها عشرات الأشخاص. 
لكنّ الوضع في روسيا يبدو أكثر هدوءاً الآن، وفق ما يوضحه الخبير في مركز دراسات القوقاز وآسيا الوسطى بمعهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أندريه أريشيف، قائلاً لـ"العربي الجديد": "بعد الحوادث التي وقعت في مختلف المدن الروسية في يوليو/ تموز الماضي، بذلت الأجهزة الأمنية أقصى جهودها لمنع تكرارها، كما أنّ قادة الجاليتين يمتنعون عن تنظيم الفعاليات الجماهيرية لا سيما في ظروف الموجة الثانية من جائحة كورونا". 
كذلك، يعلق أريشيف على استمرار فعاليات الجاليات في دول أخرى حول العالم، مضيفاً: "هناك جاليات أرمينية منتشرة حول العالم، وهي تسعى للتأثير في مواقف الدول التي تقيم فيها بأساليب قانونية. تختلف الثقافة السياسية في الولايات المتحدة وأوروبا عنها في روسيا، ولذلك خرجت هناك تظاهرات حاشدة. في المقابل، شهدت إيران وتركيا تظاهرات داعمة لأذربيجان". 
ويشهد إقليم ناغورنو كاراباخ الذي تقطنه أغلبية أرمينية، منذ 27 سبتمبر/ أيلول الماضي، مواجهات مسلحة بين يريفان وباكو جرت باستخدام سلاح المدفعية والطيران والدبابات، وسط تعرض بلدات سكنية للقصف وسقوط قتلى بين العسكريين والمدنيين على حدّ سواء. ولم تتوقف أعمال القتال بشكل كامل حتى الآن بالرغم من توصل الطرفين، بوساطة روسية، إلى اتفاق الهدنة الإنسانية اعتباراً من 10 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري. 

يذكر أنّ تاريخ نزاع ناغورنو كاراباخ يعود إلى فبراير/ شباط 1988، حين أعلن الإقليم انفصاله عن جمهورية أذربيجان السوفييتية، وهو إجراء رفضته السلطة المركزية في موسكو. وفي سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، بدأت المواجهات بين الأرمن والأذربيجانيين، متحولة تدريجياً إلى نزاع طويل الأمد وحرب عسكرية مفتوحة استمرت حتى تجميدها بلا تسوية نهائية في عام 1994، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وقيام جمهوريتي أرمينيا وأذربيجان المستقلتين.

المساهمون