روسيا: سجلوا زواجكم وإلّا...

29 سبتمبر 2020
الصورة
قد يعيشان معاً طويلاً من دون تسجيل الزواج (غافريل غريغوروف/ Getty)
+ الخط -

تختار أعداد متزايدة من الرجال والنساء في روسيا العيش معاً وحتى إنجاب أطفال من دون تسجيل الزواج في إدارة الأحوال المدنية، في ما بات يعرف باسم "الزواج المدني" (غير الموثق)، وسط تقبل المجتمع لهذه الظاهرة وسعي الشباب لتجنب الإجراءات البيروقراطية وتقسيم الأملاك في حال حدوث انفصال، إذ إنّ القانون الروسي يحدّد أيّ أملاك مكتسبة في فترة الزواج كأملاك مشتركة بصرف النظر عن مشتريها الفعلي.
مع ذلك، ثمة تداعيات قانونية لمثل هذا "الزواج"، ومنها مشكلات عند تقسيم الميراث في حال وفاة أحد الزوجين أو عند ضرورة إثبات درجة القرابة في المحاكم. ومن الوقائع التي أعادت الأبعاد القانونية لهذا النوع من الارتباط إلى الواجهة في الفترة الأخيرة، حادثة سير بمشاركة الممثل الشهير ميخائيل يفريموف التي راح ضحيتها سائق توصيل الطلبات، سيرغي زاخاروف، بينما رفضت المحكمة اعتبار زوجته غير الرسمية طرفاً متضرراً بالرغم من أنّهما عاشا معاً لمدة تزيد على عشرين عاماً.

في هذا الإطار، تشير فيكتوريا دانيلتشينكو، وهي رئيسة مكتب محاماة يحمل اسمها (هيئة فيكتوريا دانيلتشينكو للمحامين) إلى عدم دقة استخدام مصطلح "الزواج المدني" للإشارة إلى الرجل والمرأة اللذين لم يسجّلا علاقتهما، بل هذا أقرب إلى العيش معاً. وتقول دانيلتشينكو لـ"العربي الجديد": "الزواج الرسمي هو الاتحاد الذي يحصل الزوجان على حقوق والتزامات بموجبه بعد تسجيله في إدارة الأحوال المدنية. لا يمنح العيش معاً أيّ حقوق للزوجين، لكنّه لا يفرض عليهما التزامات أيضاً، إذ لا يمكنهما إبرام عقد زواج، كما أنّ الممتلكات المشتركة لن تعتبر كذلك". وحول إيجابيات وسلبيات عدم تسجيل الزواج، تضيف: "من الجوانب الإيجابية أنّه في حال حدوث انفصال، فإنّ كلّ طرف سيحفظ أملاكه، بينما ستذهب الأملاك التي تم كسبها خلال فترة العيش معاً إلى من سُجلت باسمه. ولن تكون هناك ضرورة لتقسيم الديون وغيرها من الالتزامات الناشبة أثناء فترة العيش معاً. لكنّ مشاكل ستنشب في حال وفاة أحد الزوجين، إذ لن يحصل الثاني على التركة إلّا في حال وجود وصية".
ومع تزايد الجدال حول "الزواج المدني" في روسيا، تطرح بين الحين والآخر مبادرات للاعتراف بالزواج غير الرسمي على مستوى القانون وتنظيم علاقات التملك بين الأشخاص المقيمين فعلياً معاً، من دون أن تترجم إلى الأمر الواقع حتى الآن. وتقلل دانيلتشينكو من آفاق تشريع العيش معاً في روسيا، قائلة: "أعتقد أنّ آفاق تسوية العيش معاً بالزواج الرسمي ضئيلة، لعدة أسباب. أولاً، في بعض الأحيان، تكون مهمة إثبات أنّ المقيمينِ معاً زوجان صعبة جداً حتى في المحكمة. ثانياً، ليس من الواضح أيّ تاريخ يجب اعتباره بداية لمثل هذا الزواج، وبالتالي، يتعذّر حصر الأملاك المشتركة. كذلك، فإنّ الدستور الروسي المعدل يحدد الأسرة كقاعدة للمجتمع والدولة، ما يعني أنّه لا آفاق لمبادرات للاعتراف بالعيش معاً". وبصرف النظر عن القوانين والسياسة، تخلص المحامية الروسية إلى أنّ من الصائب ترك اختيار تسجيل الزواج أو العيش معاً للناس أنفسهم، وعلى كلّ شخص بالغ إدراك تداعيات هذا النوع من العلاقة أو ذاك، وأن يتخذ بناء عليه قراراً مسؤولاً.
من جهته، حذر الأستاذ بقسم الأسرة والديموغرافيا في كلية علم الاجتماع بجامعة موسكو الحكومية، ألكسندر سينيلنيكوف، من أنّ ظاهرة "الزواج المدني" تشكّل تهديداً لمستقبل البلاد، في ظل عدم سعي الأزواج غير المسجلين للإنجاب، وهم لا يساهمون بذلك في زيادة عدد السكان. وقال سينيلنيكوف في حديث لقناة "تسارغراد": "يعيشون من دون تسجيل في الأحوال المدنية ويفسرون ذلك بعدم وجود ضرورة للإجراءات طالما يحبون بعضهم البعض". وأضاف: "في الواقع، إذا تعمقنا في بيانات البحوث الاجتماعية حول هذه المسألة، فستكون الصورة مختلفة تماماً. لا يكمن الأمر في لا مبالاتهم بالإجراءات، إنّما يتعمدون تجنبها بسبب عدم ثقتهم بعضهم ببعض".

ولم تبق الكنيسة الأرثوذكسية الروسية بمنأى عن الجدل حول "الزواج المدني"، إذ شبهه رئيس اللجنة البطريركية لشؤون الأسرة، دميتري سميرنوف، بالدعارة، معيداً سعي النساء لاعتماد مصطلح "الزواج المدني" إلى عدم رغبتهن في القول "أنا عاهرة مجانية" على حدّ تعبيره. وأثارت كلمات سميرنوف صدى كبيراً في روسيا في فبراير/ شباط الماضي، ما اضطره للتوضيح أنّه تعمّد استخدام كلمة "عاهرة" للفت أنظار الرأي العام وحماية النساء من المعاملة غير الملائمة. ووصف اتحاد النساء تعبيرات سميرنوف بأنّها "إهانة حمقاء"، مقراً في الوقت نفسه بأنّه حاول بهذه الطريقة الغريبة والصارخة الدفاع عن قيم الكنيسة الأرثوذكسية الروسية المتمثلة بالأسرة التقليدية.