حكاية الأسير المُحرر صالح الجعبري

حكاية الأسير المُحرر صالح الجعبري

16 يونيو 2021
"كان نبأ استشهاد والدي صعباً عليّ" (العربي الجديد)
+ الخط -

لم يقوَ الأسير الفلسطيني المُحرّر صالح الجعبري (33 عاماً)، وهو من مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، على استرجاع مشهد اعتقاله قبل 14 عاماً، وهي المدة التي قضاها في سجون الاحتلال الإسرائيلي. والأمر لا يتعلق فقط بثقل سنوات الاعتقال وسنوات شبابه التي ضاعت، إذ ثمّة ما هو أكثر قساوة. ففي الليلة التي اعتقل فيها، استشهد والده من دون أن يتمكّن من إسعافه أو حمايته، ولاحقاً وداعه ودفنه.
في السادس من يونيو/ حزيران عام 2007، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل صالح الجعبري بعد منتصف الليل، وأطلقت النار على سكان المنزل العُزّل، الأمر الذي أدى إلى استشهاد والده يحيى الجعبري (67 عاماً) بعدما أصيب في رأسه بشكل مباشر. يقول صالح لـ "العربي الجديد": "أصيب والدي بالرصاص الحيّ في الوجه، وفارق الحياة على الفور، وقد تلطخت ملابسي بدمائه".
ليلة الاعتقال، عاشت عائلة الجعبري ساعات دموية قاسية. بعدما قتل جنود الاحتلال والد الأسير المُحرر بدم بارد، أمسكوا شقيقه راجح (38 عاماً) وسألوه إذا ما كان هو صالح، فأجاب بالنفي. فلم يكن منهم إلّا أن ضربوه بأحد أعمدة الحديد المثبتة على جانبي درج المنزل، ثم أطلقوا رصاصة على رأسه. كذلك، أصيبت والدة الأسير فاطمة (67 عاماً) بعد إطلاق رصاصة في الرأس، وشقيقته رائدة الجعبري (41 عاماً) برصاصة في الرأس أيضاً. وما زالتا تعانيان من تبعات الإصابتين حتى اليوم. كما أصيبت شقيقتا الأسير الأخريان راوية وماهرة (وهما في الثلاثينيات من العمر) بالرضوض نتيجة اعتداء الجنود عليهما بأعقاب البنادق وشظايا الرصاص. بعدها، أخذ الجنود الذين سفكوا دم العائلة صالح وغادروا. 

لم يكن صالح قد تجاوز 19 عاماً من العمر حين اعتقل، في وقت كان أفراد من عائلته غارقين في دمائهم. لم يكن يعلم حينها من منهم قد فارق الحياة، باستثناء والده. وبدلاً من أن يتمكن من وداع والده ودفنه وأخذ العزاء به والاطمئنان على ذويه، خضع لتحقيق قاسٍ في معتقل عسقلان استمر 54 يوماً، واستغلّ خلاله الاحتلال عدم معرفة الأسير بنجاة أهله لممارسة المزيد من الضغوط عليه. 
يقول صالح لـ "العربي الجديد": "كان نبأ استشهاد والدي صعباً عليّ. وعلى الرغم من قسوة التحقيق وتعذيبي على الكرسي وإحكام الأصفاد والصفع والحرمان من النوم بشكلٍ متواصل، لم أشعر بأيّ شيء، لأنّ ألماً أكبر كان قد غطى على كلّ الآلام بعده، وهو استشهاد والديّ. لكنّني علمت بعد فترة بعدم صحة خبر استشهاد والدتي".

الصورة
الأسير الفلسطيني المُحرّر صالح الجعبري
(العربي الجديد)

حرمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي صالح من زيارة عائلته مدة أربع سنوات، وتعمدت إدارة سجون الاحتلال منح التصريح لوالدته فقط، علماً أنّها مريضة ولا تستطيع زيارته، وذلك لتضييع فرصة لقائه بأيّ فرد آخر من أفراد عائلته، إلى أن حصلت شقيقته عايدة على تصريح للزيارة استمر 45 دقيقة، فبكيا طوال فترة اللقاء. يقول صالح: "لم أشعر بالزيارة وقد غلب علينا البكاء. شعرت بأنّ الحديث الذي دار بيننا كان قصيراً جداً. قضينا الوقت في إيصال السلامات للأهل والاطمئنان عليهم، ثمّ جاء صوت السجّان: انتهى موعد الزيارة".

أفقد الاحتلال الأسير المُحرر صالح والده، وحكم عليه بالسجن 14 عاماً، وحرمه من لقاء أهله. هكذا بدأ اعتقاله بفراق والده، في وقت توفي شقيقه الأكبر راضي الجعبري قبل موعد الإفراج عنه بستة أشهر فقط.
وتنقل الجعبري بين سبعة سجون إسرائيلية طوال مدة سجنه. وخلال تلك التنقلات عاش الأسرى معاناة أيضاً، إذ كانت الآليات التي تنقلهم عبارة عن حديد فقط من دون أي شيء للجلوس عليه. وما حمّله الأسرى في سجون الاحتلال للجعبري يوم خرج رسالة تشجع على المقاومة، من أجل تكثيف الجهود للإفراج عنهم.

المساهمون