حسام علّوم... سوري يرسم "بوصلة البقاء" في زمن كورونا

تورونتو
مصطفى عاصي
29 سبتمبر 2020

أطلق الرسام السوري حسام علّوم مشروعه الفني الخاص المرتبط بزمن فيروس كورونا الجديد، والأشخاص الذين يواجهونه في الصفوف الأمامية، وذلك في تورونتو الكندية

في المحطة الثالثة من تغريبته القسرية عن سورية حطت به الرحال في شقة وديعةٍ في إحدى الضواحي الراقية لمدينة تورونتو الكندية. هنا، تستريح على الجدران لوحات ممهورة بإمضاء حسام علّوم. لوحات شكَلت محطات فاصلة في مسيرة هذا الفنان السوري الذي انتسب إلى كلية الفنون الجميلة في العاصمة دمشق ليدرس التصوير والرسم الزيتي، آتياً من جبل العرب، أو جبل حوران في جنوب سورية. ابن مدينة السويداء لم تتمكن منه بلادة الحياة وإيقاعها الرتيب في بلاد الثلج كندا.  تورونتو - النسخة المُقلّدة عن مدينة نيويورك الأميركية - تموّه العولمة وجهها بقشره رقيقة من الإنسانية، وفي هذا المجتمع الجديد الذي وصل إليه علُّوم في سبتمبر/ أيلول 2018 لم يُفرغ جمجمته من حسِّ الفنان، بل ظلّ انحيازه صريحاً للتراجيديا السورية وللقضايا الإنسانية الكبيرة والمقلقة، إذ هل هناك ما هو مُقلق أكثر من وباء كورونا الذي أوقف الكرة الأرضية على قدم واحدة؟

الصورة
حسام علّوم1

العدو الخفي أدخل البشرية في عزلة ثقيلة، فانزوى البشر خلف أبواب بيوتهم، كلّ منهم اهتم بشأن. البعض هبط نحو القاع منشغلاً بانقطاع ورق التواليت، والبعض الآخر مثل الفنان حسام علّوم سما نحو مكان أعلى وتنبّه لمَن تقدَّموا الخطوط الأمامية في المواجهة، إذ نظر نحو أفراد الطواقم الطبية ليقول لهم "شكراً" باللغة التي يتقنها؛ الريشة والألوان. حين مُسِحت كلّ الصور من رأس حسام علّوم في زمن كورونا الضبابي، بقيت صورهم ناصعة وجلية في عينيه وروحه، وحين خطف الموت الطبيب الصيني المُكتشف الأول للوباء بدأ الفنان حسام علّوم مشروعه الفني "The compass of survival " أو "بوصلة البقاء".  

الصورة
حسام علّوم2

يحتوي العمل الفني على 110 لوحات، بمقاس واحد هو 30 × 30 سنتيمتراً، سيجمعها إطار لوحة جدارية واحدة بنهاية المطاف (متران ونصف بسبعة أمتار ونصف). وكل لوحة تجسّد حالة مختلفة لأحد العاملين في الجسم الطبي سواء داخل كندا أو خارجها. شخصيات تنوعت سحنات وجوهها وتعددت الأديان الساكنة صدورها، غامرت بحياتها لإنقاذ أرواح أخرى. ترتيب اللوحات سيكون مستوحى من التسلسل الهرمي داخل خليّة النحل، في ترميز إلى نشاط وتنظيم من كافحوا الوباء. بعضهم انتقى الرسام السوري صورهم من واجهات مواقعهم على منصات التواصل الاجتماعي، وبعضهم الآخر تواصل معهم ليحصل على صورهم. شهران من الرسم بحماس وطاقة غير عاديين، بواقع ست عشرة ساعة من الرسم يومياً جلبت له ألماً في اليد اليمنى وألزمته أخذ وقت مستقطع. حصيلة المرحلة الأولى خمسون لوحة بورتريه تختزن حالات تعبيرية كثيرة: تعابير حزن مع خسارة كلّ روح، وتعابير فرح مع شفاء كلّ مريض ومغادرته سرير الموت، وتعابير الإرهاق والتعب مع كلّ نوبة عمل ماراثونية، وتعابير الندوب الدامية التي تركها حفيف الكمامات على وجوه الممرضين والأطباء.  


هو مشروع فني معاصر بالمقام الأول، فريد بحجمه على صعيد العالم، لكنّه في المقام الثاني مشروع إنساني في هذا الوقت الصعب من الأزمة حيث بات العاملون الطبيون هم الجنود الحقيقيون. أسلحتهم هي مهاراتهم المهنية، وأخلاقياتهم وإنسانيتهم وصبرهم والتزامهم الدائم بالعطاء. باتوا بوصلة الإنسانية، يوجهون البشرية في الاتجاه المطلوب لإنقاذها من جائحة فيروس لا مرئي. نشعر بوجودهم من حولنا في جميع الأوقات، برعايتهم وإرشاداتهم لنا في حياتنا اليوميّة. ما يقوم به حسام علّوم أثقل من أن تتحمله أكتاف شخص واحد، فما بالك إن كان هذا الشخص لاجئاً اجتمعت ضدّه كلّ الظروف: الغربة في بلاد بعيدة، وقلة الإمكانات، وقيود الوباء، ومكان عمل غير مثالي في شقته حيث رائحة الألوان الزيتيّة باتت تزعج زوجته التي تترقب مولوداً جديداً. على الرغم من كلّ ذلك ثمة إصرار على إكمال المشروع بشتّى الطرق والبدء بمرحلته الثانية مع بداية الشتاء الجديد. وربما كلّ ما يريده حسام علَّوم الآن هو يد ما تمتد إليه في منتصف الطريق ليأخذ مشروع "بوصلة البقاء" حقه من الاهتمام وتخرج اللوحات من مرسمه الى النور لتُعرض في المتاحف وعلى جدران صالات العرض القادرة على استضافة هكذا أعمال ضخمة.  

الصورة
حسام علّوم3

ولأنّ كندا بلد يهتم بالفن، ولأنّ الحقوق الإنسانية واحدة لا تتجزأ في هذا البلد وينعم بها الجميع، يتفاءل حسام علّوم بأن يلقى مشروعه الصدى الواسع عند الكنديين. تفاؤله نابع من تجربة واقعية، فما كاد يمر عام على مجيئه إلى كندا حتى فازت إحدى لوحاته "جويس" بمسابقة تُقام كلّ سنتين على مستوى المقاطعات العشر والأقاليم الثلاثة. اللوحة فازت بجائزة "كينغستون" لرسم البورترية عن فئتي الجمهور والطلاب عام 2019. جويس هي المتطوعة التي استقبلته على الأرض الكندية، وكانت دليله، وسهّلت اندماجه بالمجتمع الجديد، والأهم من ذلك أنّها باتت صديقته التي يتبادل معها قصص الحياة. هو يسرد لها قصص المعاناة السورية وهي تروي له رحلة عمرها التي وثقتها في صور. وفاءً لتلك السيدة التي تعبر منتصف العقد الثامن بكامل رونقها وحيويتها، رسمها حسام بتفاصيل مدهشة. تجاعيد الوجه وبريق مآقي العينين يخدعان الناظر حتى ليكاد يشعر أنه أمام صورة فوتوغرافية التقطتها كاميرا عالية الجودة. هكذا هو بأسلوب الواقعية فائقة الدقة (Hyperrealism) الذي يرسم به حسام علَّوم، وهو نمط في التعبير الفني يجسد الواقعية عبر التركيز على أدق وأصغر التفاصيل. 

فتحت كندا ذراعيها لوافدين من نواحي الأرض الأربع، وهي فتحت ذراعيها لفن حسام علّوم الذي لجأ مع زوجته وطفله برعاية منظمة "غانانوك ريفيوجي سيتلمنت غروب" التي تأسست عقب غرق الطفل السوري إيلان كردي والعثور على جثته على أحد شواطئ تركيا عام 2015. عندما وصل، لمدينة غانانوك في مقاطعة أونتاريو، أخبرت المنظمة رسامة كندية تملك معرضاً فنياً في المدينة بوصول فنان جديد إلى المدينة. الأخيرة زارته في منزله واطلعت على قرابة 200 لوحة جلبها معه من تركيا ودعته لاستخدام معرضها كمساحة للرسم. ولم تكد تمضي سنة واحدة على لجوئه حتى أقام ثلاثة معارض فردية، واحد منها جرى تخصيص عائداته لدعم تعليم الأطفال في الكونغو.

ذات صلة

الصورة
متنزه الخور... وجهة للعائلات في قطر رغم كورونا

مجتمع

على بعد نحو 50 كيلومتراً إلى الشمال من العاصمة القطرية الدوحة، يقع متنزه الخور، الذي افتتح عام 1983، بمساحة 240 ألف متر مربع، ويشكل ملاذاً للعائلات بالرغم من خطر كورونا
الصورة
بروكلين/نيويورك/فيروس كورونا-Getty

اقتصاد

قال وزير الخزانة الأميركي السابق لورانس سمارز والخبير الاقتصادي بجامعة هارفارد ديفيد كاتلر إن جائحة كوفيد-19 ستكلف الولايات المتحدة 16 تريليون دولار، أو ما يقرب من 90 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي.
الصورة
عامر درويش- العربي الجديد

مجتمع

الابتكارات الهندسية هواية رافقت عامر درويش منذ الطفولة، وطورها في الأعوام الأخيرة، حتى تمكن هذا العام من ابتكار جهاز لمكافحة فيروس كورونا الجديد، مع تسجيله باسمه
الصورة
توفيق شناعة (عبد الحكيم أبو رياش)

منوعات وميديا

في مخيم الشابورة، وسط مدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، يتجمّع العديد من الفلسطينيين حول فنان المخيم توفيق شناعة، المعروف بين أبناء المدينة الحدودية باسم "موسيقار المخيم"، للاستئناس بمعزوفاته الموسيقية، كسراً لوحشة العزل والحجر الصحي الإلزامي.