أطفال الأمهات العازبات في المغرب: معاناة واستغلال

16 فبراير 2024
يتعرض أطفال الأمهات العازبات في المغرب للوصم والتمييز (Getty)
+ الخط -

عادت قضية الاتجار بالرضع إلى السطح في المغرب بعد إعلان شرطة مدينة فاس (وسط) تفكيك شبكة يشتبه في قيامها بـ"الاتجار بحديثي الولادة"، وتوقيف عدد من المتورطين.

أعلن الأمن المغربي في الأول من فبراير/ شباط الحالي، أنه تمكن بالتنسيق مع المخابرات الداخلية، من توقيف 30 شخصاً في مدينة فاس، من بينهم من يشتبه في تورطه في بيع أطفال حديثي الولادة بتواطؤ مع أمهات عازبات لأسر ترغب في كفالة الأطفال المهملين، ليبرز النقاش حول مدى توفير الحماية لأطفال الأمهات العازبات أي اللواتي ينجبن خارج مؤسسة الزواج.
وشرع القضاء المغربي في محاكمة المشتبه بهم في 13 فبراير، في حين كشفت اعترافات المتهمة الرئيسة في القضية عن بيعها نحو 30 رضيعاً إلى أسر ميسورة الحال مقابل مبالغ مالية متفاوتة، وأن معظم الأطفال أنجبتهم فتيات حملن بطرق غير شرعية، وتم التكفل بتوليدهن سراً في مقابل التخلي عن مواليدهن، كما كشفت التحقيقات أن المتهمة كانت تحصل أيضاً على أطفال بمساعدة مولدة تعمل في مصحة خاصة.
يقول رئيس جمعية "حماية الطفولة" (غير حكومية)، عبد العالي الرامي، إن "تفكيك شبكة الاتجار بالرضع يؤكد ضرورة توفير الحماية للرضع والأمهات من الاستغلال، واتخاذ إجراءات قانونية تضمن توفير وسائل المراقبة في المستشفيات، وتشديد عقوبات المتاجرين والمستغلين للوضعيات الاجتماعية والظروف الاقتصادية للأمهات، وخصوصاً العازبات".
ويوضح الرامي لـ"العربي الجديد"، أن "القوانين والتشريعات المغربية متقدمة في ما يخص حماية الأطفال، لكن ما ينقص هو تفعيلها على أرض الواقع لحماية الطفولة من أي عنف أو استغلال، وكذلك إصدار توجيهات من السلطة القضائية بعدم التساهل في قضايا الطفولة، وما ينتج عنها من انتهاكات للمصالح الفضلى للأطفال".

وكشفت دراسة أنجزتها "العصبة المغربية لحماية الطفولة" مع منظمات نسائية في عام 2019، عن تسجيل 153 حالة ولادة يومياً خارج مؤسسة الزواج، وأنه يتم التخلي عن 24 من الأطفال. وفي ظل غياب أرقام رسمية دقيقة بخصوص عدد الأمهات العازبات، قدرت جمعية "إنصاف للتضامن مع النساء في وضعية صعبة" (غير حكومية)، أن هناك أكثر من 800 أم عزباء في مدينة الدار البيضاء ومحيطها تتراوح أعمارهن بين 16 و17 سنة، في حين أن عدد الأمهات العازبات في المدينة خلال عام 2020 تجاوز 1600، وأغلبهن ينتمين إلى الوسط الحضري.

تعاني أمهات المغرب العازبات لتسجيل أطفالهن (ماريا كاربونيل/Getty)
تعاني أمهات المغرب العازبات لتسجيل أطفالهن (ماريا كاربونيل/Getty)

وحسب دراسة سوسيولوجية أجراها باحثون في علم الاجتماع بشراكة مع "جمعية 100 في المائة أمهات"، ونشرت نتائجها في نهاية يناير/ كانون الثاني 2022، فإن وضعية الأمهات العازبات بالمغرب ما زال يكتنفها الكثير من الغموض، في ظل غياب أي إطار قانوني أو اجتماعي يضمن لهذه الفئة الاستقرار داخل المجتمع، ويمكنها من الحصول على حقوقها.
وتقول رئيسة "فدرالية رابطة حقوق النساء بالمغرب" (مستقلة) سميرة موحيا، إن "الأمهات العازبات وأطفالهن يعيشون معاناة مضاعفة، إذ تتعرض هذه الفئة لضغوط أسرية ومجتمعية، وللاستغلال، والتشرد، والوصم الاجتماعي ورفض المجتمع، ويبقى وصف (ابن الزنا) لصيقاً بالأطفال طيلة حياتهم، إضافة إلى هضم عدد من حقوقهم". وتوضح لـ "العربي الجديد" أن "أطفال الأمهات العازبات يحرمون من الهوية والوثائق الثبوتية، ورغم أن القانون منحهم حق الانتساب إلى أمهاتهم، غير أنهم يجدون أنفسهم غير قادرين في كثير من الأحيان على إنجاز العديد من الوثائق، ما يحرمهم من الدراسة، ومن الاشتغال في الوظائف العمومية أو في شركات القطاع الخاص لعدم توفر ما يثبت هويتهم، إلى جانب النظرة الدونية التي تلاحقهم".

وتؤكد موحيا على الحاجة إلى قوانين تتلاءم مع دستور 2011، والذي ينص على سمو الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها المغرب على التشريعات الوطنية، وينص أيضاً على المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة، والمساواة بين الأطفال بغض النظر عن حالتهم الاجتماعية، وتوفير الحماية القانونية لهم، مشيرة إلى أنه "من بين القوانين التي تحتاج إلى ملاءمة مع الدستور والاتفاقيات الدولية مدونة الأسرة (قانون الأحوال الشخصية) باعتبارها من بين القوانين التمييزية في حق أطفال الأمهات العازبات، إذ تحرمهم من النسب، ولا تأخذ بعين الاعتبار الخبرة الجينية كمرجع في إثبات نسبهم إلى آبائهم البيولوجيين".
تتابع: "ما تعيشه هذه الفئة من المجتمع من معاناة وحرمان من كل حقوقها المادية والمعنوية تقتضي كذلك إعادة النظر في قانون كفالة الأطفال المهملين، والمقتضيات القانونية المتعلقة ببطاقة الهوية، والقانون الجنائي، وعدم تجريم الإجهاض الطبي الآمن لكل حمل غير مرغوب فيه، على اعتبار أن من شأن ذلك أن يجنب المجتمع مآسي جديدة لأطفال مهملين لا يتمتعون بالحماية أو القبول من المجتمع، ويعيشون الهشاشة والفقر والنبذ والإقصاء، ويتعرضون للاستغلال أو لجرائم الاتجار بالبشر".

المساهمون