رحيل "حاضنة" الأمهات العازبات في المغرب عائشة الشنا

وفاة عائشة الشنا.. أيقونة العمل الإنساني و"حاضنة" الأمهات العازبات في المغرب

25 سبتمبر 2022
دافعت عن الأمهات العازبات وضحايا الاغتصاب (تويتر)
+ الخط -

تُوفيت الناشطة الاجتماعية المغربية والمدافعة عن حقوق المرأة، عائشة الشنا، اليوم الأحد، عن عمر ناهز 82 عاماً، إثر أزمة صحية ألزمتها الفراش، ونقلت إلى مستشفى الشيخ خليفة بالدار البيضاء، حيث وافتها المنية.

وكانت الشنا التي نذرت حياتها للدفاع وبشراسة عن" الأمهات العازبات" في المغرب، وتحوّلت إلى رمز لكفاح النساء من أجل النساء في المملكة وفي العالم العربي، قد أدخلت قبل أيام على وجه السرعة، إلى إحدى المصحات الخاصة بمدينة الدار البيضاء، لتلقي العلاج، وذلك بعد تدهور وضعها الصحي.

أبصرت الشنا النور في 14 أغسطس/آب عام 1941 بمدينة الدار البيضاء، قبل أن تجد نفسها بعد مغادرتها فصول الدراسة في سن السادسة من عمرها، تخوض أول تجربة عملية لها في مستشفى، سكرتيرة لبرامج أبحاث مرضى الجذام والسل، ثم موظفة في وحدة التعليم بوزارة الصحة المغربية بعد أن وُفقت في امتحانات مدرسة التمريض عام 1960. وبعدها بعشر سنوات، ستخوض الشنا تجربة جديدة هي إنتاج البرامج التلفزيونية والإذاعية المختصة بصحة المرأة، ومن ضمنها أول عمل تلفزيوني يدور حول التعليم الصحي.

برحيل الشنا أو "ماما عيشة"، كما تناديها النساء اللواتي يلجأن إليها لطلب الحماية والمساندة، طُويت صفحة أبرز الوجوه الحقوقية المدافعة عن حقوق النساء، لا سيما الأمهات العازبات وضحايا الاغتصاب اللائي وجدن فيها على امتداد ما يقارب أربعة عقود الحضن الدافئ الذي يحتضنهن ويحن عليهن في مواجهة النبذ ورفض الأسر والمجتمع لهن.

في عام 1959 بدأت أولى خطواتها في العمل التطوعي والخيري بتأسيسها جمعية حماية الطفولة والعصبة المغربية لمحاربة السل، قبل أن تعيش نقلة نوعية في عام 1981 حين صدمها مشهد فتاة قروية صغيرة السن تدخل مكتب مساعدة اجتماعية في وزارة الصحة، تحمل بين ذراعيها رضيعاً كانت ترغب في التخلي عنه للحصول على المساعدة الاجتماعية، كون طفلها وُلد نتيجة علاقة غير شرعية، ورفض الوالد الاعتراف به. وكان تخلي الأم العازبة عن رضيعها لوزارة الصحة أمراً شائعاً في المغرب في ذلك الوقت. وبينما كانت تستعد لأن تبصم على ورقة التخلي عن رضيعها، كان يصرخ وهي تبعده عنها. لم تنم الشنا ليلتها، وأقسمت بأن تناضل لوضع حد لهذا لظلم الاجتماعي.

وفي سعيها إلى الوفاء بقسمها، أخرجت الشنا في نوفمبر/ تشرين الثاني في عام 1985 إلى حيز الوجود جمعية التضامن النسوي لتعنى بالأمهات العازبات، وتقدم لهن المساعدة القانونية والاقتصادية والنفسية، بالإضافة إلى إعلام النساء بخطورة العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.

وعلى امتداد أربعة عقود من الزمن، كانت الشنا من أشد وأكبر المدافعين عن "الأمهات العازبات" وتوفير الدعم والمأوى لهن، باعتبارهن ضحايا المجتمع والقانون، وعن "الأطفال المتخلى عنهم" أو "في وضعية صعبة" لكونهم  لم يختاروا القدوم إلى الدنيا، إنما جاؤوا إليها نتيجة علاقات عابرة، وغير شرعية، أو اغتصاب، أو وعود كاذبة بالزواج، كما كانت تؤكد في كل مناسبة.

في كتابها "ميزريا" تحكي الشنا قصصاً مؤثرة لعشرات الضحايا: "خادمات صغيرات  السن وأطفال الشوارع أهملهم آباؤهم، وولوا إلى غير رجعة.. تتشابه الحكايات وتتغير فقط الأماكن والأسماء".

لم تكن الشنا مشغولة بالعمل التطوعي فقط، بل كانت عينها دائماً على قضايا المجتمع وما يعيشه من نقاش، من خلال إعلان معارضتها الحرية الجنسية والعلاقات الجنسية خارج مؤسسة الزواج الشرعي، ودعمها التماسك الأسري، الذي كانت حريصة أشد ما يكون الحرص عليه إلى حد أنها كانت تبذل جهداً كبيراً في سبيل أن يتعرف الابن على "أبيه البيولوجي" وحتى لا تختلط الأنساب، فيحدث السقوط في زنا المحارم.

وطيلة مسيرتها في دفاعها عن المرأة وصحتها عموماً والأمهات العازبات، بصفة خاصة، تلقت الراحلة الكثير من الهجوم والاتهامات بالتشجيع على الفساد، ومحاولة مصالحة المجتمع المغربي مع العلاقات الخارجة عن إطار الزواج، لكنها لم تتوقف يوماً عن مساعدتهن وتكريس جهدها لدعمهن، بل لم تتوانَ في عام 2017 عن شن هجوم لاذع على المسؤولين والأحزاب السياسية في المغرب لكونهم "لا يريدون فعل أي شيء من أجل تقديم المساعدة للأطفال المتخلى عنهم ولأمهاتهم".

وقالت في تصريحات سابقة: "سمعت الكثير من الانتقادات، لكن ما يحزُّ في النفس أنّ هذا الكلام صادر عن أناس مرموقين ومثقفين يروْن ما أقوم به تشجيعاً على الفساد"، وأضافت: "تلقيت الكثير من التهديدات"، لكن كل هذا لم يحل دون إيمانها بقضيتها التي ناضلت من أجلها.

وخلال مسيرتها التطوعية حصلت الشنا على العديد من الجوائز، من أبرزها جائزة "أوبيس" للأعمال الإنسانية الأكثر تميزاً، والبالغة قيمتها مليون دولار بمينيابوليس (الولايات المتحدة) عام 2009، وجائزة إليزابيت نوركال، نادي النساء العالمي بفرانكفورت في سنة 2005، وجائزة حقوق الإنسان من الجمهورية الفرنسية عام 1995، كما تقلّدت العديد من الأوسمة، منها وسام الشرف للملك محمد السادس عام 2000، ووسام جوقة الشرف من درجة فارس، من قبل الجمهورية الفرنسية عام 2013.

المساهمون