هجرة الناشطين العراقيين تتوسع: هرب من المليشيات والمضايقات الأمنية

هجرة الناشطين العراقيين تتوسع: هرب من المليشيات والمضايقات الأمنية

06 ديسمبر 2020
تؤكد الحكومة أنها لن تلاحق المحتجين (حسين فالح/فرانس برس)
+ الخط -

على الرغم من التعهّدات التي قطعها رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، عقب توليه رئاسة الحكومة، مطلع مايو/أيار الماضي، بحماية المحتجين ووقف الاعتداءات والتضييق على الناشطين المدنيين، إلا أن المؤشرات تؤكد ارتفاع معدلات هجرتهم إلى مدن إقليم كردستان العراق، التي تتمتع بأمن أفضل من باقي المناطق العراقية بالنسبة للناشطين. كما يهاجر هؤلاء إلى دول لا تتطلب بالنسبة للعراقيين تعقيدات كبيرة في ما يتعلق بتأشيرة الدخول إليها، كلبنان وتركيا. وتأتي موجة التهجير الجديدة للناشطين بعد تلقيهم سلسلة تهديدات من جماعات مسلحة توصف عادة بـ"المليشيات الولائية"، في إشارة إلى ارتباطها بإيران، والتي عادة ما تسبقها حملة تحريض واتهامات بالعمالة للاحتلال الإسرائيلي أو وصفهم بعبارة "أبناء السفارات"، في إشارة إلى السفارتين الأميركية والبريطانية في بغداد. وأُضيف لها أخيراً عامل ملاحقة القوات الأمنية العراقية لعدد من ناشطي الجنوب، لا سيما في ذي قار وواسط وميسان وبابل والبصرة أقصى جنوبي العراق.

ولم تتوقف عمليات استهداف الناشطين في العراق لغاية الآن، إذ شهدت بغداد الأسبوع الماضي محاولة اغتيال اثنين من أعضاء لجنة تنسيقية التظاهرات، استهدفتهما مجموعة مسلحة في حي الطالبية شرقي العاصمة، وأسفرت عن إصابة أحدهما، ويدعى أكرم عذاب، بجروح خطرة. واغتيل الناشط مصطفى الجابري في ميسان، جنوبي العراق، يوم الأربعاء الماضي.


انتقل ناشطون إلى كردستان وتركيا ولبنان والأردن

ويُقدَّر عدد الناشطين الذي غادروا العراق إلى تركيا أو لبنان والأردن أو انتقلوا إلى مدن إقليم كردستان خلال الأشهر الماضية، بأكثر من 200 ناشط ومحتج ومدون وصحافي مؤيد للاحتجاجات. ويُعتبر الكثير منهم وجوهاً بارزة ظهرت بعد تفجر الاحتجاجات في البلاد، غير أن قسماً كبير منهم باتوا أكثر صراحة في انتقاد الأوضاع وتشخيص الحالة العراقية، بسبب ما يعتبرونه "تحرّرهم من الخوف". في المقابل، آثر آخرون السكوت والانزواء أملاً بالتمكن من العودة إلى العراق في ما بعد.

والخميس الماضي كتب الناشط البارز زايد العصاد، من مدينة الناصرية: "في هذه اللحظات أُغادر بيتي تاركاً أهلي ورائي بسبب تهديدات الصدريين وتحريضهم على قتلي منذ ثلاثة أيام. واليوم فقط تلقيت خمسة تهديدات من أرقام غير مسجلة، هذا عدا التحريض العلني من صفحات مدونين ومنصات صدرية!".

أما ضياء الفتلاوي، وهو من ناشطي ساحة البحرية في البصرة، والذي استقر أخيراً في إسطنبول التركية، فاعتبر أن العراق عاد إلى أيام صدام حسين، إذ لا مجال للعمل السياسي المعارض، ومصير من يدخل هذا المضمار الموت أو التخوين. وأضاف في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه غادر بعد اقتحام منزله من قبل مسلحين والاعتداء على أمه وشقيقته حين كان خارج المنزل، كاشفاً أن أمه أمّنت له مبلغ السفر، بينما قامت أخته، من دون علم زوجها، ببيع خاتم بمبلغ 400 ألف دينار (نحو 300 دولار) من أجل مساعدته على المغادرة، حتى لا يلقى مصير زملائه الناشطين الآخرين.

من جهته، يتحدث ناشط آخر نزح إلى مدينة أربيل، طلب عدم ذكر اسمه لـ"العربي الجديد"، عن أن "أغلب المتظاهرين عادوا إلى منازلهم إلا نحن فما زلنا مطرودين". ويضيف "أسكن في شقة من غرفة واحدة ولا أدري إلى متى سيستمر الحال، وتوقفت عن النشر وأغلقت حساباتي على تويتر وفيسبوك، آملا أن يتم نسياني أو اعتباري خارج الاهتمام كي أعود لبغداد، لأنه سيتم فصلي من وظيفتي في دائرة تربية الرصافة إن لم أعد، فإجازتي التي اعتبرت لدواعي العلاج تقترب من النهاية".

بدورهم، يقول ناشطون آخرون إن مليشيات مسلحة موالية لإيران وضعتهم على لوائح "الجوكرية"، وهو المصطلح الذي أطلقته وسائل الإعلام الحزبية في العراق على المتظاهرين، عقب اشتداد التظاهرات. ويؤكد بعضهم أن "السلطات العراقية وضعت أسماء الناشطين على المعابر والمنافذ والمطارات، في سبيل القبض عليهم حال دخولهم إلى العراق، من دون أي تهم أو إجراءات قانونية".

وفي السياق، يقول الناشط العراقي علي المكدام، الذي اضطر إلى ترك بغداد واللجوء إلى إقليم كردستان، ثم انتقل إلى تركيا بسبب زيادة التهديدات بالتصفية التي تلقاها، إنه "منذ انطلاق الحركة الاحتجاجية كان للصحافيين المستقلين والناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان دور فعال برفد المنظمات الدولية والمحلية بالتقارير والإفادات والمعلومات". ويشير في حديثٍ لـ"العربي الجديد" إلى أنه "جرّاء ذلك تعرّضوا لشتى أنواع القمع، من الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع وصولاً لتهديد عائلاتهم ثم تهديدهم، واغتيل واختُطف وغُيب عدد منهم". ويكشف أن "الأمر ببعضهم إلى أن يخرجوا مرغمين وبصورة قسرية من العراق نحو مستقبل مجهول". ويلفت إلى أن "الهجرة القسرية أرهقت الناشطين نفسياً واقتصادياً، فتركوا أعمالهم منذ أكثر من سبعة أشهر وتصرفوا بأموالهم المدخرة من دون أن ترسم لهم ملامح مستقبلية واضحة".

ويقول المكدام إنه "على الرغم مما واجهوه في ساحات الاحتجاج من قبل السلطة ومليشياتها، باتوا يواجهون الإهمال من قبل الجهات المعنية بشؤون اللاجئين والمدافعين عن حقوق الإنسان، فلا تتفاعل هذه المنظمات مع ملفات حمايتهم وتوفير الإمكانيات اللازمة لإبعادهم عن مواطن الخطر". ويشدّد على أن "جميع الفصائل المسلحة وأبرزها كتائب حزب الله وسرايا السلام وعصائب أهل الحق، هددت الناشطين ولا تزال تمنعهم من العودة. ورغم تواصلنا مع الجهات الحكومية، إلا أن الأخيرة أكدت أنها غير قادرة على حماية الناشطين".

من جهته، يشير ناشط بارز من الناصرية، يستقر حالياً في العاصمة الأردنية عمان، إلى أن "التيار الصدري أبلغ أهلي بأن دمي مهدور في حال عدت إلى الناصرية، وذلك بعد أن شاركت بكتابة بعض الهتافات التي تصف زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بالفاسد". ويضيف في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، إلى أنه "من الصعب حالياً العودة إلى العراق في ظل تغوّل التيار الصدري والجماعات المسلحة في مدن جنوب العراق". وينبّه إلى أن "أكثر من سبعة ناشطين عراقيين شاركوا في الاحتجاجات، يستقرون حالياً في عمّان، ويعتمدون على التحويلات المالية من عائلاتهم".

أما عن موقف السلطات العراقية، فيوضح ضابط يعمل في وزارة الداخلية العراقية، لـ"العربي الجديد"، أن "السلطات ليست بصدد اعتقال أي شخص من المتظاهرين سواء داخل العراق أو خارجه، ولم تُعدّ أي لائحة بهم. وقد كان هناك بعض المطلوبين خلال حكومة عادل عبد المهدي، إلا أن رئيس الحكومة الحالي مصطفى الكاظمي أمر في وقت سابق، بمنع تنفيذ أي قرار اعتقال بحق أي متظاهر". ويضيف أن "هناك جماعات مسلحة تضررت بسبب المتظاهرين، وتسعى إلى معاقبة بعض المحتجين والناشطين الذين شتموا وهتفوا ضد بعض الرموز السياسية. ونحن نسعى إلى منع حدوث مثل هذا الأمر، كما أن قوائم المطلوبين في المطارات العراقية والمنافذ تخلو من أي اسم لمتظاهر".
لكن مصادر قريبة من مليشيا "النجباء"، المتهمة بتصدر قائمة المليشيات المشاركة في قمع التظاهرات، تؤكد أن هناك فعلاً قائمة لناشطين تتربص بهم الجماعات المسلحة، تحت دواعي التحقيق في إحراق مقارهم بالجنوب، خلال ذروة الاحتجاجات بين سبتمبر/أيلول 2019 وإبريل/نيسان 2020.


ناشط نازح من مدينته: أغلب المتظاهرين عادوا إلى منازلهم إلا نحن فما زلنا مطرودين

في المقابل، رفض مكتب الكاظمي التعليق على ظاهرة هجرة الناشطين والمدونين، بدعوى أن المتحدث باسم الحكومة أحمد ملا طلال قدّم استقالته الأسبوع الماضي، ولم يتم تعيين خلف له بعد. لكنّ موظفاً في الأمانة العامة لمجلس الوزراء قال بشكل مقتضب لـ"العربي الجديد"، إن "اقتراب الانتخابات (المبكرة في 6 يونيو/حزيران المقبل) تسبّب بتصعيد ضد الناشطين والمدونين، كونهم يتولون حرفياً مهاجمة أحزاب السلطة والفصائل المسلحة على حد سواء. ولا تتحمّل حكومة الكاظمي المسؤولية في ذلك، على الرغم من أنها طالبت أن يتقدم أي ناشط بطلب حماية حتى يتم توفيرها لهم".

وعلى الرغم من تراجع الاحتجاجات في بغداد، إلا أن محافظات الناصرية والديوانية والبصرة تشهد احتجاجات متقطعة. ويباغت محتجون بإغلاق بعض الطرق الرئيسة في مدن الجنوب لساعات ثم فتحها، في إشارة إلى استمرار الغضب الشعبي من سياسة حكومة الكاظمي التي يعتبرها محتجون أنها تمارس التخدير مع مطالب "انتفاضة أكتوبر/تشرين الأول 2019".

يُذكر أن التظاهرات العراقية انطلقت في الأول من أكتوبر 2019، عقب دعوات انطلقت عبر موقع "فيسبوك"، إثر تردّي الخدمات وتفاقم نسبة البطالة، قبل أن تتفجر بشكل واسع في بغداد ومدن جنوب ووسط العراق خلال ساعات قليلة. وطوال السنة الماضية، شهدت التظاهرات عمليات عنف غير مسبوقة، ولا سيما بعدما دخلت جماعات مسلحة وُصفت بـ"الطرف الثالث"، على خط قتل وقمع واختطاف المحتجين والناشطين، وأدت أعمال العنف إلى مقتل نحو 700 متظاهر، وإصابة أكثر من 27 ألفاً آخرين، في وقت لم تُحاسب فيه أي جهة متورطة بهذه الأعمال.