ما مصير دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية؟

ما مصير دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية؟

15 مايو 2024
السفير المصري في هولندا حاتم كمال الدين بجلسة للمحكمة، فبراير (نيكوس أويكونومو/الأناضول)
+ الخط -
اظهر الملخص
- مصر تعلن رسميًا دعمها لدعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية، مستنكرة الاعتداءات ضد المدنيين في غزة ومخالفة إسرائيل للقانون الدولي.
- الإعلان يُعتبر رسالة قوية ضد الممارسات الإسرائيلية، رغم عدم تقديم طلب التدخل بعد بسبب متطلبات قانونية، مؤكدًا على دعم مصر للقضية الفلسطينية.
- انضمام تركيا واهتمام دول أخرى بالدعوى يُظهر تأثيرًا متزايدًا للضغط الدولي على إسرائيل، مع توقعات بتشجيع المزيد من الدول على الانضمام لدعم القضية الفلسطينية.

تتباين الآراء بشأن الشكل الذي سيتخذه إعلان القاهرة دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية للنظر في انتهاكات إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة.

 دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا

وقالت مصر، في بيان صادر عن وزارة خارجيتها الأحد الماضي، إنها قرّرت التدخل رسمياً لدعم دعوى جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل. وأوضحت الوزارة أن التقدم بإعلان التدخل في الدعوى، "يأتي في ظلّ تفاقم حدة ونطاق الاعتداءات الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة، والإمعان في اقتراف ممارسات ممنهجة ضد أبناء الشعب الفلسطيني من استهداف مباشر للمدنيين وتدمير البنية التحتية في القطاع، ودفع الفلسطينيين للنزوح والتهجير خارج أرضهم، ما أدى إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة خلقت ظروفاً غير قابلة للحياة في قطاع غزة، في انتهاك صارخ لأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب".

مصدر مصري: لم تتقدم القاهرة للمحكمة حتى الآن بطلب التدخل، بسبب متطلبات قانونية فنية صعبة

وطالبت مصر في البيان، إسرائيل، بـ"الامتثال لالتزاماتها باعتبارها القوة القائمة بالاحتلال، وتنفيذها للتدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية التي تطالب بضمان نفاذ المساعدات الإنسانية والإغاثية على نحو كافٍ يلبي احتياجات الفلسطينيين في قطاع غزة، وعدم اقتراف القوات الإسرائيلية لأية انتهاكات ضد الشعب الفلسطيني باعتباره شعبا يتمتع بالحماية وفقاً لاتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية". 

من جهته، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، أمس الثلاثاء، إن أنقرة قرّرت تقديم لائحتها للانضمام رسمياً لجنوب أفريقيا في قضية الإبادة الجماعية المرفوعة ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، بعدما كان قد أعلن في وقت سابق من هذا الشهر، قرار الانضمام إلى القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا. مع العلم أن محكمة العدل الدولية أعلنت أمس أنها ستعقد جلسات استماع بشأن تدابير طوارئ إضافية ضد إسرائيل، يوم غدٍ الخميس، وبعد غد الجمعة.

متطلبات دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا

في هذه الأثناء، قال مصدر مصري لـ"العربي الجديد"، إن القاهرة "لم تتقدم للمحكمة حتى الآن بطلب التدخل، بسبب متطلبات قانونية فنية صعبة". وقال المصدر إن "متطلبات دعوى التدخل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، أصعب من الدعوى التي تنظرها المحكمة بالفعل والتي تقدمت بها بريتوريا بالفعل". واعتبر أن "القاهرة بهذا الإعلان، وجهت رسالة شديدة اللهجة إلى حكومة الاحتلال الإسرائيلية، رداً على الممارسات العدائية للأخيرة، في مدينة رفح الفلسطينية، والتي تخالف بشكل صارخ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، الموقعة في مارس/آذار 1979، كما وجهت رسالة تهدئة للداخل المصري الغاضب من الممارسات الإسرائيلية وعدم الرد المصري عليها". واستدرك المصدر بقوله إنه "على الرغم من ذلك، إلا أن القاهرة ملزمة بالمضي قدماً في مسألة تقديم طلب التدخل في دعوى جنوب أفريقيا لمحكمة العدل الدولية، لأن عدم فعل ذلك، سيكون مقلقاً".

وبرأي الباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، عمار فايد، فإنه "ليس من الواضح حتى الآن ما هو المقصود ببيان وزارة الخارجية المصرية، بشأن دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا: فهل ستنضم مصر للدعوى بأن ترسل فريقاً قانونياً على غرار جنوب أفريقيا، أم فقط ستدعم دعوى الأخيرة؟". وقال فايد في حديث لـ"العربي الجديد"، إنه "في كلتا الحالتين، أعتقد أن التحرك المصري هو للضغط على الاحتلال من أجل مزيد من الضمانات بخصوص عملية رفح، لأنه من الواضح أن (رئيس حكومة الاحتلال بنيامين) نتنياهو قرّر بدء العملية دون ضمانات كافية، بما في ذلك مع الأميركيين، ولذلك تبدو الإدارة متخوفة من اتجاهه لتوسيع العملية ومن ثم تواصل التحذير من تداعيات ذلك". كما أن توقيت العملية، برأيه، "أجهض فرصة اتفاق التهدئة وتبادل الأسرى، وهو ما كانت مصر تتهيأ لترويجه كإنجاز دبلوماسي مصري، كما أن الإدارة الأميركية تحتاجه لأسباب داخلية".

عمار فايد: التحرك المصري هو للضغط على الاحتلال من أجل مزيد من الضمانات بخصوص عملية رفح

ووفقاً لفايد فإن "الخلاصة أن إعلان القاهرة دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا ليس استراتيجياً، ولا يعكس تغييراً جوهرياً تجاه موقف مصر من القضايا الأساسية، ولذلك أكد وزير الخارجية (سامح شكري) في يوم صدور بيان الخارجية نفسه بأن اتفاقية السلام خيار مصر الاستراتيجي".

رسالة غضب مصرية

بدوره، قال أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق، لـ"العربي الجديد"، إن "الدعوى القانونية قدمتها جنوب أفريقيا، ويمكن لمصر أو أي دول أخرى أن تضيف مذكرات قانونية أخرى للدعوى نفسها، وهذا فقط هو مجال الإضافة القانونية التي يمكن أن تضيفها مصر". ولفت في هذا الشأن إلى أنه "من الناحية السياسية، فإن الإعلان عن دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا يعبر عن غضب دبلوماسي رمزي من تحركات إسرائيل في رفح، وليس تصعيداً دبلوماسياً كبيراً، لأن جنوب أفريقيا قامت بأغلب المتطلبات القانونية والدبلوماسية والإعلامية المطلوبة، والتحرك المصري بعد إعلان دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا لم يتقدم بطلبات أو إجراءات أخرى حتى الآن".

المساعد السابق لوزير الخارجية المصري، وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، أرجع اعتزام مصر التدخل لدعم دعوى جنوب أفريقيا إلى "تجاوز إسرائيل كل الحدود في حربها المدمرة على قطاع غزة، وتحديها الأغلبية العظمى لدول العالم". وقال أحمد حسن في حديث لـ"العربي الجديد"، إن إسرائيل "أصبحت تهدد الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتجاوزت اتفاقية السلام مع مصر، باحتلالها محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، وإغلاق معبر رفح، ومنع تسليم المساعدات الإنسانية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، أو للإدارة التابعة لحركة حماس، وتريد فرض إدارة غير فلسطينية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، والاستمرار في ممارسة الإبادة الجماعية والتهجير القسري للفلسطينيين، وعدم احترام قرارات الأمم المتحدة بوقف القتال أو إنفاذ المساعدات، وتجويع الشعب الفلسطيني". ولذلك، برأيه، "كان لا بد من رسالة قوية بإعلان دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا القضائية أمام محكمة العدل الدولية، باتهام إسرائيل بممارسة الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة"، مضيفاً أنه "لا شك أن انضمام مصر للدعوى يشجع دولاً أخرى على الانضمام أيضا".

محمد محمود مهران: دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا يضيف زخماً كبيراً للدعوى

بدوره، رأى نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية، مختار الغباشي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "تدخل مصر في دعوى جنوب أفريقيا، يعطي ثقلاً لهذه الدعوى باعتبار مصر أكبر دولة عربية لها علاقات مع دولة الاحتلال الإسرائيلية، ورأت أن تل أبيب أخلت كثيراً بهذه العلاقات". ولفت إلى أن "التعنت الإسرائيلي واجتياح جيش الاحتلال لمعبر رفح والتحكم فيه والضربات التي توجه إلى شرق رفح وجرائم الإبادة التي تمارسها إسرائيل وفشل جهود مصر بالوساطة رغم قبول المقاومة بالمبادرة المصرية ورفضها إسرائيلياً، كل ذلك أغضب مصر بشدة". وبرأيه، فإن "أفعال إسرائيل لا تغضب مصر فقط، بل تغضب كل الأمة العربية والإسلامية والشعوب الأوروبية، لأننا أمام دولة فوق قواعد القانون الدولي وفوق العقاب، وهذه مسألة مهينة للمجتمع الدولي، ومطلوب من 57 دولة عربية وإسلامية أن تكون ضمن الدعوى".

قانونياً، أكد أستاذ القانون الدولي العام، محمد محمود مهران، أن "قرار دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، يعكس تمسك القاهرة الراسخ بثوابتها تجاه القضية الفلسطينية، وحرصها على توظيف كل الأدوات القانونية والدبلوماسية لفضح ممارسات الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه المستمرة بحق الفلسطينيين على كافة الأصعدة". وأوضح مهران، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "دعم مصر دعوى جنوب أفريقيا يضيف زخماً كبيراً للدعوى، نظراً لثقل مصر السياسي والقانوني على المستوى الإقليمي والدولي، ويسهم في حشد تأييد أوسع لمطالب الشعب الفلسطيني العادلة، كما سيضع المزيد من الضغوط على إسرائيل لوقف انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني".
كما أشار إلى أن مصر "ستسخر خبرتها القانونية الطويلة في التعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي، وستقدم للمحكمة أدلة قوية وشهادات موثقة حول الجرائم التي ارتكبها الاحتلال طوال عقود، بما فيها جرائم الحرب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي، وهو ما سيعزز الموقف القانوني للدعوى".

وأكد أستاذ القانون الدولي، في هذا السياق، أن "استناد مصر إلى اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية في تدخلها سيسلط الضوء على فظاعة الممارسات الإسرائيلية، وطبيعتها الممنهجة والواسعة النطاق، والتي ترقى لمستوى الجرائم ضد الإنسانية، ويستوجب محاسبة ومساءلة دولية لمرتكبيها". واستطرد الخبير الدولي: "الانضمام المصري يمهد الطريق لتحرك دولي أوسع لمساندة الدعوى، ويشجع دولاً أخرى، خصوصاً العربية والإسلامية والأفريقية، على الانخراط في هذه المعركة القانونية، بما يصب في تقويض شرعية الاحتلال، وتعزيز الاعتراف بحقوق الفلسطينيين".

كما شدّد مهران على أن "نجاح الدعوى لن يكون فقط انتصاراً قانونياً وسياسياً للقضية الفلسطينية، وإنما أيضاً تتويجاً لنضال الشعب الفلسطيني وتضحياته على مدار عقود من أجل نيل حريته وكرامته"، مؤكداً أن "تحقيق العدالة الدولية هو السبيل الأمثل لتعزيز فرص تحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة".

المساهمون