لبنان يترقّب كلمة ماكرون ومصير مبادرة تشكيل الحكومة

27 سبتمبر 2020
الصورة
لبنان يدخل النفق المسدود بعد اعتذار أديب (الأناضول)
+ الخط -

يترقّب اللبنانيون كلمة الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، اليوم عند الساعة السابعة بالتوقيت المحلي، لاستجلاء موقفه من الوضع السياسي في لبنان والتطوّرات الحكومية بعد اعتذار مصطفى أديب عن عدم قبوله مهمة تشكيل الحكومة، وفي ظل تأكيد الرئيس اللبناني، ميشال عون، أمس أنّ المبادرة الفرنسية لا تزال مستمرّة وتتلقى منه كلّ الدعم وفق الأسس التي أعلنها ماكرون.
ودخل لبنان بعد اعتذار أديب، أمس السبت، نفقاً مظلماً، وسط مخاوف من تداعيات هذه الخطوة السلبية على البلاد الغارقة في أزمات اقتصادية ومعيشية ونقدية، ظهرت أولى ارتداداتها بارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء إلى حدود 9000 ليرة لبنانية، فيما كانت مستقرّة لفترة على الـ7000 ليرة لبنانية.
وقال مصدرٌ في السفارة الفرنسية، لـ"العربي الجديد"، رفض الإفصاح عن اسمه، إن ماكرون سيعيد تكرار الخطاب نفسه لناحية ضرورة إنجاز الإصلاحات وسيحمّل القادة السياسيين في لبنان مسؤولية الحالة التي وصلت إليها البلاد. وأضاف أن ماكرون سيُوضح مبادرته أكثر بعد اللغط الحاصل حولها، وتذرع بعض السياسيين، بأنها فُهِمَت بطريقة خاطئة وفسّرت على أذواق كل فريقٍ سياسي، وخصوصاً لناحية شكل الحكومة، والاستثناءات التي قبل بها لحل عقدة وزارة المالية.
وسيؤكد ماكرون، بحسب المصدر ذاته، أنّه لا يتدخل بالشؤون اللبنانية بتفاصيلها، وأن كلّ ما يفعله لمساعدة الشعب اللبناني فقط، الضحية لكل ما يحصل، وكذا دعوته إلى تشكيل حكومة تقوم مهمتها على إنجاز إصلاحات ومكافحة الفساد المتراكم ضمن برنامج محدَّد الزمان يطلق عملية مؤتمرات الدعم الدولية لمصلحة لبنان.
وأعاد الرئيس اللبناني اليوم التذكير بقسم اليمين الذي ألقاه يوم تسلّم سدّة الرئاسة في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2016، وقال: "إذا كان الوعد مقدساً، فكم بالحري قسم اليمين! يمين احترام الدستور والقوانين، وصون استقلال الوطن ووحدة أراضيه. أقسمت وسألتزم قسمي حتى اليوم الأخير من عهدي وسأبقى سدّاً منيعاً بوجه كل من يحاول المسّ بمضمونه".


من جهته، قال البطريرك بشارة الراعي في عظته اليوم الأحد: "أما وقد أحرجَ الرئيس أديب فأقدم على الاعتذار، أصبحت البلاد أمام أخطار متعدّدة ليس أقلّها غياب حكومةٍ تقود عملية إنقاذ البلاد وملاقاة المؤتمرات الدولية والتفاوض مع صندوق النقد الدولي"، مضيفاً أنه "فوق ذلك خيّب الاعتذار آمال المواطنين الذين كانوا يراهنون على بدء تغيير في الطبقة السياسية من خلال حكومة جديدة بوجوه واعدة، وفاقم الأزمة الوطنية والحكومية، إذ بدا كأنه يسلّم بـ"فيتو" غير موجود في الدستور والميثاق ووثيقة الوفاق الوطني".

وأكد أن "البطريركية تنطلق دائماً من أركان الدولة الثلاثة المتكاملة، الدستور والميثاق ووثيقة الوفاق الوطني التي تحفظ توازن مكوّنات وطننا الواحد المشترك والنهائي".
وأضاف البطريرك الراعي: "إذ نحرص على أن تبقي فرنسا مشكورة عزمها على مساندة لبنان، فإننا حفاظاً على الأركان الثلاثة ندعو إلى عدم تخصيص أي حقيبة وزارية لأي فريق أو حزب أو طائفة أو مذهب بشكل دائم، بل اتباع قاعدة المداورة الديمقراطية، فلا يمكن الاعتداد بعرف أو التفرّد بخلق أعراف من دون توافق ومن دون اعتراف الآخرين بها"، وذلك في معرض ردّه على الأعراف التي يضعها "الثنائي الشيعي"، على الوزارات ولا سيما وزارة المالية التي يعتبرها حقاً كرسته الأعراف والميثاق للطائفة. علماً أنّ هذه الوزارة تعاقب عليها وزراء من مختلف الطوائف أقلّه قبل عام 2014.
في هذا الإطار، قال مصدر في "حركة أمل"، لـ"العربي الجديد"، رافضاً الإفصاح عن هويته: "هناك استهداف كبير لنا، ولنهجنا السياسي بشكل عام، من قوى إقليمية ودولية، بمساعدة أطراف داخليين، وآخرها العقوبات الأميركية السياسية التي طاولتنا، وتعلية السقف بشأن ضرورة نزع سلاح حزب الله، ووقف كل مبادرات الدعم المالي للبنان ربطاً بوجود هذا السلاح، وهي ضغوطات تمارس علينا ولن تؤثر علينا".
وتابع قائلاً: "من هنا نتمسّك أكثر من أي وقتٍ مضى بحقوقنا، وإلّا فالذهاب إلى الدولة المدنية، وعندها إلغاء كل المراكز والمواقف المصنفة طائفية".
وتوالت ردود الفعل السياسية، بعد اعتذار أديب، الذي رُبِط بعقدة "حركة أمل" التي يتزعمها رئيس البرلمان نبيه بري، و"حزب الله"، أو "الثنائي الشيعي" كما صار معروفاً، في ظلّ تمسّكهما بمطلبهما تسمية وزراء الطائفة الشيعية الثلاثة، وليس فقط وزير المالية، ما اعتبره أديب مخالفاً لمبدأ حكومة المهمة التي أتى لأجلها انطلاقاً من المبادرة الفرنسية. 
وقال بري في بيان أمس: "لا أحد متمسّك بالمبادرة الفرنسية بقدر تمسّكنا بها، ولكن هناك من أغرقها في ما يخالف الأصول المتبعة"، مضيفاً: "إنّ المبادرة الفرنسية روحها وجوهرها الإصلاحات والحكومة هي الآلة التي عليها أن تنفذ هذه الإصلاحات بعد إقرارها، وأعتقد أن كل الكتل مع الإصلاحات والمجلس النيابي أكثر المتحفزين لإقرار ما يجب، ونحن على موقفنا بالتمسك بالمبادرة الفرنسية وفقاً لمضمونها".
في المقابل، أشار رئيس "تيار المستقبل"، سعد الحريري، في بيان أمس، إلى أنّه "مرة جديدة ، يقدم أهل السياسة في لبنان لأصدقائنا في العالم نموذجاً صارخاً عن الفشل في إدارة الشأن العام ومقاربة المصلحة الوطنية"، مضيفاً: "اللبنانيون يضعون اعتذار الرئيس المكلف مصطفى أديب عن مواصلة تشكيل الحكومة اليوم، في خانة المعرقلين الذين لم تعد هناك حاجة لتسميتهم، وقد كشفوا عن أنفسهم في الداخل والخارج ولكل من هبّ من الأشقاء والأصدقاء لنجدة لبنان بعد الكارثة التي حلت ببيروت".
وتابع: "نقول لأولئك الذين يصفقون اليوم لسقوط مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنكم ستعضون أصابعكم ندماً لخسارة صديق من أنبل الأصدقاء ولهدر فرصة استثنائية سيكون من الصعب أن تتكرر لوقف الانهيار الاقتصادي ووضع البلاد على سكة الإصلاح المطلوب"، مشيراً إلى أن "مبادرة ماكرون لم تسقط، لأن الذي سقط هو النهج الذي يقود لبنان واللبنانيين إلى الخراب، ولن تنفع بعد ذلك أساليب تقاذف الاتهامات ورمي المسؤولية على الآخرين ووضع مكون رئيسي لبناني في مواجهة كل المكونات الأخرى".
وفي ظل هذه التطورات عاد الحديث عن احتمال عودة الحريري إلى رئاسة الحكومة كحلّ من شأنه أن يبقي المبادرة الفرنسية قائمة، بيد أنّ الأمور لا تزال عالقة، نظراً لأن الرئيس المكلف الذي سيأتي عليه أن يلتزم مطالب "الثنائي الشيعي" الوزارية.
ورداً على هذا الكلام، أصدر الحريري بياناً اليوم، أكد فيه أنه غير مرشح لتولي تشكيل الحكومة الجديدة، إلا أنه يبقى على موقفه الداعم لمبادرة الرئيس الفرنسي، والمسهل لكل ما من شأنه إنجاحها بصفتها الفرصة الوحيدة والأخيرة لوقف انهيار لبنان.


وفي السياق، أعرب رؤساء الحكومة السابقون الذين اقترحوا اسم السفير اللبناني لدى ألمانيا مصطفى أديب لرئاسة الحكومة، عن أسفهم على ضياع الفرصة التي أتيحت للبنان.
وبالتزامن مع المخاوف الاقتصادية والنقدية، شهد لبنان أمس توترات أمنية كبيرة، تمثّلت أولاً بعملية في وادي خالد شماليّ لبنان، حيث إنه في إطار متابعة شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي لمنفذي جريمة كفتون، تمكنت الشعبة من تحديد هوية الفاعلين وعددهم 4، تبيّن أنهم جزء من خلية تعمل لتنظيم "داعش" في لبنان. وبنتيجة المتابعة الاستعلامية والميدانية، تمكنت شعبة المعلومات من تحديد هويات جميع أعضاء المجموعة الإرهابية، وعددهم أكثر من 15 شخصاً، يعملون تحت إمرة السوري (م. ح)، بحيث أوقفت 3 من أعضاء المجموعة. وتوصلت الشعبة أمس إلى تحديد مكان وجود أعضاء المجموعة الإرهابية في منطقة وادي خالد في منزل منعزل، فنُفِّذَت عملية أمنية لمحاصرة المنزل.

وبادر عناصر المجموعة بإطلاق النار من أسلحة خفيفة ومتوسطة باتجاه القوة، فكان الرد عليهم، ما أدى إلى قتل جميع الإرهابيين، وذلك بحسب بيان صادر عن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي.


وفي السياق الأمني، أعلن الجيش اللبناني، اليوم، مقتل جنديين إثر هجوم مسلح استهدف مركزاً عسكرياً في محلة عرمان - المنية، شمالي لبنان، مؤكداً في الوقت نفسه مقتل أحد منفذي الهجوم.
وتعهد الجيش اللبناني بأن "تجري متابعة الموضوع لتوقيف الإرهابيين الفارين وكشف ملابسات الاعتداء".