سدّ النهضة: تشاؤم مصري واتصالات إثيوبية مع حملة بايدن

29 أكتوبر 2020
الصورة
يرفض السيسي مناقشة تقاسم مياه النيل حالياً (خالد دسوقي/فرانس برس)
+ الخط -

كشفت مصادر دبلوماسية وحكومية فنية مصرية، لـ"العربي الجديد"، عن تفاصيل الاجتماع السداسي الذي عقد عن بعد، أول من أمس الثلاثاء، بين وزراء الخارجية والري في مصر والسودان وإثيوبيا، بدعوة وإدارة من جنوب أفريقيا، رئيسة الاتحاد الأفريقي، بهدف وضع أسس استئناف مفاوضات قواعد ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي. وأتى الاجتماع بعد شهرين بالتمام والكمال من التوقف المشوب بالفشل المستمر في عقد اجتماعات على مستوى القمة أو الوزراء أو الوفود الفنية. وجاء الفشل نتيجة الاختلافات الكبيرة في وجهات نظر جميع الأطراف، والتباين حول جدول الأعمال. وانتهى الاجتماع السداسي بالاتفاق على أن تدعو الخرطوم خلال أيام إلى سلسلة من الاجتماعات الفنية والقانونية تستغرق أسبوعاً، لإعداد مسودة اتفاق ثم رفعها إلى جنوب أفريقيا ومفوضية الاتحاد الأفريقي، للبت في إمكانية تطويرها إلى مشروع اتفاق نهائي وتوقيعه بحضور زعماء الدول الثلاث.

يتحدث الوفد الإثيوبي للمرة الأولى عن تعرض حكومة آبي أحمد لضغوط داخلية كبيرة للانسحاب من المفاوضات

وقالت المصادر إن الاجتماع السداسي الذي خطط له وتمّت الدعوة إليه خلال 48 ساعة، عُقد كبديل لقمة أفريقية مصغرة فشلت جنوب أفريقيا في التوصل إلى صيغة لعقدها، على مدى 13 يوما تقريباً. وكانت مصر قد رحبت خلال الاتصالات التي أجراها الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا بشكل ثنائي، بعقد القمة حالياً لتحريك المياه الراكدة، كما رحبت كل من السودان وإثيوبيا بها، لكن رامافوزا ارتأى استحالة عقدها، بسبب الفجوة الكبيرة بين مطالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. واعترض السيسي على مناقشة مسألة محاصصة مياه النيل حالياً، باعتبار أن المفاوضات خاصة فقط بسد النهضة، مع إبداء استعداده لفتح حوار لاحقاً حول محددات هذا الملف. في المقابل، تمسك أحمد باقتران مناقشة جميع المسائل مرة واحدة، بحجة مواجهته ضغوطاً داخلية كبيرة. وتبعاً لذلك، توصل رامافوزا إلى عقد الاجتماع السداسي بدلاً من القمة المصغرة، لمناقشة مدى إمكانية تحقيق تقدم في مناقشة جميع القضايا، بما في ذلك المحاصصة الجديدة لمياه النيل، ووضع جدول زمني لكل قضية، بحيث تنتهي المفاوضات نهائياً قبل نهاية العام وتسليمه رئاسة الاتحاد الأفريقي.

وذكرت المصادر أنه خلال الاجتماع السداسي تحدث الوفد الإثيوبي للمرة الأولى عن تعرض حكومة آبي أحمد لضغوط داخلية كبيرة للانسحاب من المفاوضات، خصوصاً بعد التصريحات الصادمة والمثيرة للجدل التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الجمعة الماضي، عن توقعه أن تقصف مصر سد النهضة، وأنها ستكون معذورة في ذلك ولا يمكن لومها. هذا الموقف سبق أن نفته مصر رسمياً أكثر من مرة، وتحدث السيسي على النقيض منه تماماً مراراً، بمنع الحديث في الإعلام المصري نهائياً عن استخدام الحلول العسكرية. كما استبعد ذلك في خطابات رسمية عدة، وتأكيده على استمرار التفاوض فقط من أجل التوصل إلى اتفاق على قواعد الملء والتشغيل.
وأضافت المصادر أن وزير الخارجية المصري سامح شكري حرص خلال المناقشات على تأكيد رؤية حكومته للمفاوضات باعتبارها الحل الوحيد للأزمة، في إشارة ضمنية لتصريحات ترامب التي منحت أديس أبابا فرصة جديدة للتنصل من المسار التفاوضي والالتفاف عليه، بل وتعظيم تحركاتها الدبلوماسية والسياسية في واشنطن وغيرها من العواصم المهتمة بالقضية، وترويج صورتها باعتبارها الطرف الأضعف والمعرض للخطر، وليس مصر.
وفي هذا السياق، كشفت المصادر عن رصد السفارة المصرية في واشنطن ومجموعات العمل المصرية في نيويورك ومدن أميركية أخرى، عودة الاتصالات والاجتماعات بين سياسيين إثيوبيين وشخصيات أميركية من أصل إثيوبي، وبين نواب في الكونغرس من أصول أفريقية وعدد من الشخصيات المؤثرة في حملة المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية جو بايدن. أما الهدف من ذلك فهو دراسة الموقف الأميركي حيال القضية حال تمكن بايدن من إلحاق الهزيمة بترامب في معركة الرئاسيات، وكيفية انعكاس ذلك على الوضع التفاوضي الحالي الذي تتداخل فيه الولايات المتحدة كجهة مراقبة مختارة من قبل القاهرة.
وذكرت المصادر أن الاتصالات والاجتماعات من هذا النوع كانت قد توقفت منذ يوليو/ تموز الماضي، لكنها عادت خلال الأيام الماضية بعد تصريحات ترامب. ويعتبر نواب أميركيون من أصول أفريقية أن هذه التصريحات غير مقبولة، وينوي بعضهم إصدار بيانات والتقدم بمشروعات قوانين لدعم إثيوبيا، ردّاً على "التهديدات المحتملة والمزعومة التي تحدث عنها ترامب". وهذه المرة تتزامن الاجتماعات مع تفاؤل في الأوساط الإثيوبية بفوز بايدن، ما يعطيها زخماً لمناقشة خطوات فعلية قد تبادر بها الإدارة الجديدة للبيت الأبيض حال انتخابها لإعادة تموضع واشنطن في القضية، وربما الانقلاب الكامل لموقفها.
وتعج حملة بايدن والدوائر الديمقراطية بالشخصيات التي كانت لها مواقف سلبية تجاه الموقف المصري من سدّ النهضة، ومنها نواب ومستشارون وسفراء سابقون شاركوا في التوقيع على بيانات وخطابات تطالب بالانحياز لإثيوبيا في قضية السد وعدم "محاباة" مصر. كما يتولى الشاب من أصول إثيوبية يوحنس أبراهام منصب سكرتير الفريق الانتقالي لبايدن، وهو ممن يوصفون بأبناء باراك أوباما في الحزب الديمقراطي، حيث عمل في مؤسسته بشيكاغو. ويعبر اختياره عن الفرص الجيدة التي بات يحظى بها أبناء الجالية الإثيوبية والجاليات الأفريقية عموماً في أروقة السياسة الأميركية، وهو نموذج لظاهرة تفسر نجاح اللوبي الإثيوبي الأفريقي في عرقلة المساعي المصرية والتشويش على رؤية القاهرة لقضية سد النهضة.

تعج حملة بايدن والدوائر الديمقراطية بالشخصيات التي كانت لها مواقف سلبية تجاه الموقف المصري من سدّ النهضة

وبالعودة إلى المفاوضات، قالت المصادر إن الحديث الإثيوبي خلال الاجتماع السداسي أصاب الجانب المصري، خصوصاً الفني، بالتشاؤم، نظراً لعدم تغير أي من المعطيات والرهانات الإثيوبية، التي تؤكد إصرار آبي أحمد على تضييع الوقت لحين حدوث أمرين أساسيين. أول هذين الأمرين، انتهاء الانتخابات الأميركية لعلها تأتي ببايدن وتجرّد مصر من سلاح أساسي لها في المفاوضات، وثانيهما اكتمال الأعمال اللازمة لتجارب توليد الكهرباء في ربيع العام المقبل.
وكشفت المصادر أن المناقشات السرية التي دارت خلال مطلع شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، بين مسؤولين في الخارجية والاستخبارات المصرية والسفير الإثيوبي الجديد في القاهرة ماركوس تيكلي، تدعم هذا الاتجاه. وكان تيكلي محملاً برسائل سبق أن كشفتها "العربي الجديد" في السابع من الشهر الحالي، تطالب بالتأني في استئناف المحادثات لحين خروج آبي أحمد من الأزمة السياسية الطاحنة التي يواجهها نظامه وحزبه الجديد بعد إعلان حكومة إقليم تغراي سحب اعترافها بشرعية حكومته الاتحادية، وفي ظل استمرار الاضطرابات الاجتماعية والميدانية في إقليم أورومو، الأمر الذي لم يلق قبول مصر، ولا الاتحاد الأفريقي ذاته.
وأوضحت المصادر أن أخطر ما يمكن أن تسفر عنه المفاوضات الفنية والقانونية المقبلة أن تدار بالروحية نفسها التي أجري بها الاجتماع السداسي الأخير، حيث عبرت مصر والسودان عن مخاوفهما من الفشل في التوصل إلى مسودة موحدة للنقاط العالقة والحلول المقترحة لها. في المقابل، لم تبد إثيوبيا تراجعاً عن إصرارها السابق على تقديم مسودة تعبر عن وجهة نظر كل طرف، وأكدت تمسكها برفض التوقيع على أي مسودة لا تراعي الحقوق السيادية لها بإنشاء وإدارة السد.
وبحسب المصادر، فقد سبق أن رفضت إثيوبيا مقترح الاتحاد الأفريقي بالبدء بالقضايا القانونية العالقة، على ضوء ما تم الاتفاق عليه في القمة الأفريقية المصغرة الأخيرة، بهدف الحسم السريع للخلافات الواسعة على المستوى القانوني الذي تتطابق فيه الرؤى المصرية والسودانية، بحجة أن المشاكل الفنية، التي تختلف فيها أهداف مصر عن السودان، هي التي تتطلب الحسم أولاً. وتفسر المصادر هذه الخطوة بمحاولة التلاعب بالطرفين واستمالة أحدهما على طاولة التفاوض. كما سبق أن تحفظت مصر على مقترح الاتحاد الأفريقي بإنشاء آلية فضّ المنازعات التي ستنشأ مستقبلاً حول تشغيل السد والملء، حيث يعرض الاتحاد نفسه كوسيط يمكنه تقديم حلول ملزمة لجميع الأطراف. وترى مصر أنه من الأفضل تشكيل لجنة لفض المنازعات بعضوية الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة وطرف ثالث مثل الاتحاد الأوروبي أو دولة أخرى. 
وعلى المستوى الفني، لا تزال هناك خمس قضايا أساسية عالقة تتعسف فيها إثيوبيا مع مصر والسودان، هي: عدم وضوح برنامج الملء المستمر والدائم للسد، وحجم التدفق اليومي من السد والذي سيصل إلى سد الروصيرص بالسودان حتى لا تتأثر السلامة الإنشائية للأخير. ويضاف إلى ذلك عدم الاتفاق حتى الآن على حجم التدفق العام في فترات الجفاف والجفاف الممتد. وتقترح مصر أن يكون 37 مليار متر مكعب كرقم وسط بين ما تطالب به إثيوبيا وهو 32 ملياراً وما كانت تطالب به مصر وهو 40 مليار متر مكعب، على أن يُترك الرقم الخاص بأوقات عدم الملء والرخاء لآلية التنسيق بين الدول الثلاث. كذلك تبرز قضية عدم تقديم إثيوبيا خطتها للاستخدامات الخاصة بالمياه سواء كانت مخصصة لإنتاج الطاقة أو الزراعة أو غيرها. وأخيراً تحضر مسألة ضرورة الاتفاق على معايير قياس امتلاء سد النهضة (وسد السرج الاحتياطي المجاور) مجتمعين والربط بينه وبين سد الروصيرص والسد العالي، وهي مسألة تراها مصر ضرورية في حين تراها إثيوبيا مدخلاً للربط بين السدود، وهو ما ترفضه.

المساهمون