روسيا استخدمت التقارب مع معارضين علويين للضغط على الأسد

روسيا استخدمت التقارب مع معارضين علويين للضغط على الأسد

14 يونيو 2021
خلال زيارة بوتين إلى دمشق في يناير 2020 (أليكسي نيكولسكي/Getty)
+ الخط -

تغاضت روسيا عن كل الضغوط الدولية لتحقيق انتقال سياسي في سورية، وفرضت بقاء بشار الأسد في السلطة من خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجراها النظام السوري في 26 مايو/أيار الماضي، وذلك بعدما دعمت خياراته بالمماطلة في مسار الحل السياسي القائم على قرار مجلس الأمن 2254، وتعطيل عمل هيئة التفاوض واللجنة الدستورية إلى حين الوصول إلى الانتخابات الأخيرة. وسبقت موسكو ذلك بالتواصل مع مكوّنات معارضة، خصوصاً بعد بدء سريان مفعول "قانون قيصر" في يونيو/حزيران 2020. وفيما استهدفت تلك اللقاءات إيهام المجتمع الدولي والأميركيين خصوصاً، بسعي روسيا للمشاركة في إنجاز الحل السياسي، إلا أن هدفاً آخر برز في تلك اللقاءات، عبر لقاء معارضين من الطائفة العلوية، في رسالة روسية للأسد بوجود بدائل له.

طرحت الشخصيات السياسية العلوية العمل على صياغة عقد اجتماعي جديد

وكان نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف قد اجتمع أواخر يونيو 2020 مع المعارض السوري، رئيس الائتلاف الأسبق معاذ الخطيب، في العاصمة القطرية الدوحة. وسبق ذلك ببضعة أيام لقاء جمع السكرتير الروسي في الأمم المتحدة في جنيف سيرغي ميتوشين بمجموعة، ممن وصفوا بـ"المؤثرين في الطائفة العلوية في الخارج"، أيضاً في يونيو 2020. وبدا اللقاء الأخير أنه يستهدف توجيه رسالة للأسد، وحينها خرجت توقعات بأن تلجأ روسيا لاستمالة شخصيات سياسية من الطائفة العلوية، موجودين في الخارج، والمعارضين منهم على وجه الخصوص، للسعي لإحداث تغيير يكون على شكل تشذيب للنظام بزج عناصر منهم ذوي صبغة معارضة داخله.

وطرحت الشخصيات السياسية العلوية أسساً لمبادئ عيش مشترك والعمل على صياغة عقد اجتماعي جديد بين السوريين، من دون قبول وصف النظام بالعلوي، مشددة على أنه يستخدم الطائفة والطائفية لأهداف سلطوية لا أكثر. ونصّت الوثيقة التي سُربت عن ذلك اللقاء، بأن الشخصيات التي التقى بها الروس، رفضت الخطاب الروسي بعدم قبول رئيس سنّي في السلطة، ووصفت هذا الخطاب بأنه غير متوازن ويدعو للكراهية. وكان وزير الخارجية سيرغي لافروف قال سابقاً: "إذا سقط النظام الحالي في سورية، ستنبثق رغبة قوية وتمارَس ضغوط هائلة من جانب بعض بلدان المنطقة من أجل إقامة نظام سنّي في سورية، ويقلقنا في هذا الوضع مصير المسيحيين، وهناك أقليات أخرى كالأكراد، والعلويين، والدروز".

بعد عام من هذا اللقاء، وتمرير الانتخابات الرئاسية التي انتهت بالتجديد لبشار الأسد لولاية جديدة، يشرح معارض سياسي حضر الاجتماع مع سيرغي ميتوشين، لـ"العربي الجديد"، حيثيات التحركات الروسية في ذلك الوقت. ويقر المعارض أن الروس كانوا يريدون من خلال اللقاء بمعارضين من السنّة والعلويين، إيهام المجتمع الدولي والأميركيين على وجه الخصوص، بسعيهم للمشاركة في إنجاز الحل، لا سيما بعد بدء سريان "قانون قيصر" للعقوبات. ويضيف أن الهدف الأول للروس كان رفع العصا بوجه بشار الأسد، لا سيما من خلال اللقاء بمعارضين من الطائفة العلوية، وتوجيه رسالة له مفادها "بأن بدلاءك جاهزون ولدينا تواصل معهم، وها نحن جلسنا معهم فعلاً". ويبرر المصدر هذا التلويح الروسي أو "رفع العصا" كما سمّاه، بأن الأسد كان خلال تلك الفترة غير مستقر "إلى أي أريكة سيستند"، في معرض الاختيار بين روسيا وإيران، مشيراً إلى أن تمدد إيران عبر توسيع قاعدة المليشيات المرتبطة بها، لم يكن يعجب الروس إطلاقاً. وموسكو كانت تسعى للاستئثار بهذا الجانب، وخلق جيش جديد من المليشيات المرتبطة بقاعدتها العسكرية في حميميم، سواء عبر رجلها الأول في سورية سهيل الحسن، أو عن طريق غيره من الضباط السوريين الذين اختبرت ولاءهم لصالحها، أو على الأقل ممن لا يدينون بالولاء لإيران. ويلفت المسؤول إلى أن روسيا وضعت خططاً لسحب مليشيا "الدفاع الوطني" من عباءة الدعم الإيراني لتجييرها لصالحها. وكل ذلك استدعى الضغط على الأسد لتسهيل ذلك والحد من توسيع النفوذ الإيراني في البلاد.
ويلفت المصدر إلى أن الشق الثاني من الرسالة أو الضغوط الروسية على النظام من خلال ذلك اللقاء، كان يحمل طابعاً اقتصادياً، فشهية الروس مفتوحة بعد سيطرتهم الرسمية على ميناء طرطوس بعقد استثماري لمدة خمسين عاماً، تجاه مواقع اقتصادية حيوية كذلك. ويندرج ضمن ذلك كف يد إيران عن ميناء اللاذقية. وينوه إلى أن الروس يحضّرون للسيطرة تدريجياً على المنافذ البحرية والبرية من خلال عقود استثمار تشغيلية، كاشفاً أن صفقة استثمارية جديدة يتم التحضير لها الآن، ستعطى بموجبها مصفاة حمص للبترول إلى شركة روسية. ونوّه إلى أن الإعلان عن ذلك رهن أسابيع قليلة.

تضغط روسيا من أجل منع التمدد الإيراني الاقتصادي في سورية

ويكشف أن الروس عاودوا الاتصال بمؤثرين من الطائفة العلوية في الخارج، للتحضر للقاء معهم مجدداً، وتم الاتفاق على موعد للقاء في موسكو لكن تم تأجيله لأسباب تقنية. ومن المرجح أن تتم دعوتهم بعدما انتهت الانتخابات في محاولة لوضع صيغة جديدة من الترتيبات، لكنه يشير إلى أن المعلومات لديه تشير إلى توجّه تلك الشخصيات لرفض حضور اللقاء، بعد أن أدركت حقيقة قيام الروس باستخدامها لـ"فرك أذن" الأسد، وأنها بلعت الطعم بحسن نيّة في هذا الإطار.

في السياق نفسه، يقول مصدر آخر لـ"العربي الجديد"، إن اللقاء الروسي بشخصيات من الطائفة العلوية في الخارج سبقه تمهيد وتحضير روسي في الداخل، ولا سيما في مناطق انتشار الطائفة العلوية من جبال اللاذقية وحتى طرطوس. وعمدت موسكو بحسب المصدر إلى استمزاج آراء المئات من الفاعلين منهم، ممن يمثلونهم في الداخل والخارج، وتوصلوا إلى نتيجة كانت خلاصتها قائمة الشخصيات الذين التقوا بهم في جنيف. ويؤكد المصدر أن هناك شبه إجماع على اسم الحقوقي عيسى إبراهيم من قبل كل الذين استطلعت موسكو آراءهم عبر ضباطها ووكلائها في سورية، مشيراً إلى أن الاستقصاء بهذه الطريقة كان أيضاً عبارة عن تلويح بالعصا في وجه الأسد، وزادت حدة التلويح بعد إنجاز اللقاء فعلاً.

تقارير عربية
التحديثات الحية