خافيير ميلي... شعبوي برتبة جنون رئيسًا للأرجنتين

خافيير ميلي... شعبوي برتبة جنون رئيسًا للأرجنتين

22 نوفمبر 2023
ميلي في بوينس أيريس بعد فوزه الرئاسي، مساء الأحد (لويس روبايو/فرانس برس)
+ الخط -

ليست الأرجنتين دولة عادية في القارة الأميركية الجنوبية، بل ثاني أكبر بلد جغرافياً، وثاني أكبر اقتصاد من بعد البرازيل. وعلى الرغم من تشاركها مع أقرانها نمطاً كلاسيكياً من المفاهيم السياسية، المستندة في الأساس إلى ثلاثية الكنيسة الكاثوليكية والعسكر والنظم الزراعية، إلا أن بوينس أيريس تفوقت بأمرين أساسيين: كثرة انقلاباتها العسكرية، واستفحال أزماتها الاقتصادية بشكل غير مسبوق.

ومن الطبيعي في السياق التسلسلي لتدهور الأوضاع، أن تُصبح الاستحقاقات الانتخابية في ظروف كهذه محصورة بين أنماط محددة من الشخصيات لا الأفكار، وهو ما دفع 55.7 في المائة من الأرجنتينيين إلى الاقتراع لمرشح الحزب الليبرالي، الشعبوي اليميني المتطرف، خافيير ميلي، في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، التي أُجريت الأحد الماضي.

وانحصر البديل أمام الناخب في الدورة الثانية التي أجريت الأحد الماضي بوزير الاقتصاد سيرجيو ماسا، وهو من المسؤولين الرئيسيين عن الأزمات الاقتصادية، في ظل انكفاء الرئيس المنتهية ولايته ألبيرتو فرنانديز، وهو ما جعل الفرصة سانحة للشعبويين لملء فراغ، ولو أن هناك توقعات بتحوله لاضطرابات في مرحلة لاحقة.

اليأس صنع رئيساً

اليأس صنع رئيساً في الأرجنتين، مساء الأحد الماضي، لكنه قد يُشكّل مدخلاً مستقبلياً لصدام بين الشعب وميلي. ميلي ليس شعبوياً بالمعنى المتعارف عليه، مثل الرئيسين السابقين، الأميركي دونالد ترامب والبرازيلي جايير بولسونارو، بل أكثر من ذلك. الأول كان حاضراً في عالم الأعمال والإعلام في واشنطن منذ عقود، أما الثاني فكان جزءاً من هيكلية الجيش البرازيلي في ثمانينيات القرن الماضي، ثم عضواً في التركيبة السياسية التي تلت مرحلة حكم الجيش في برازيليا.

غير أن ميلي أكثر غرابة. منذ أعوام قليلة كان ناقداً تلفزيونياً، ويدلي بآرائه عن الاقتصاد والجنس والسياسة، واصفاً نفسه بأنه "فوضوي". وانتخب ميلي في البرلمان الأرجنتيني عام 2021 لصالح حزب "لا ليبرتاد أفانزا"، قبل أن يصل إلى الرئاسة، في ظل غضب الناخبين من الفساد وسوء الإدارة، إثر أسوأ أزمة اقتصادية تعيشها البلاد منذ عقدين.

وبعض الأرجنتينيين وصفوا التصويت لميلي بأنه اختيار "أهون الشرين"، ما بين الخوف من الحلول الاقتصادية المؤلمة التي اقترحها ميلي، والغضب الذي يكنه البعض لماسا بسبب الأزمة الاقتصادية.

رئيس الأرجنتين شعبوي يميني متطرف لا يُقارن حتى ببولسونارو ولا بترامب ومن المشروع الشك باتزانه العقلي

وعانى ميلي في طفولته بسبب معاملة والديه السيئة، بجانب التنمر في المدرسة خلال فترة الثمانينيات. ويعشق الرئيس الأرجنتيني المنتخب الموسيقى، وكان مغنياً رئيسياً لفريق موسيقي في السابق، وطالما أحب بوب مارلي وفيردي، بحسب صحيفة "ذا غارديان" البريطانية.

ويُعدّ ميلي نقطة تقاطع بين مختلف التيارات والأجنحة اليمينية المتطرفة في العالم، فعدا ترامب وبولسونارو، فإن رئيس الوزراء البريطاني الأسبق بوريس جونسون من الشخصيات المحببة لميلي. يتشابهان أقله في موضوع الشعر الكثيف.

وأظهر صعود ميلي في الأشهر الحالية، نمطاً مستنسخاً من صعود أي نجم شعبوي: أزمة اقتصادية لا تنتهي، بل ترافق "الجيل زد" منذ ولادته، منذ نحو ربع قرن. أشهر مضنية من السقوط المالي الحرّ للبيزو. فوز ثالث بكأس العالم لكرة القدم لا يضع حداً للأزمات. غزو روسي لأوكرانيا وتأثيره على الأرجنتين. تداعيات وباء كورونا لم تضمحلّ بعد. شعور يائس من الشباب بالتغيير. الأحزاب السياسية تكرر وعودها من دون تغيير. التيار البيروني فشل في إنهاء مشاكل الأرجنتين. الاستفادة من الثروات الطبيعية ليس موجوداً في قواميس مختلف الإدارات الأرجنتينية المتلاحقة.

وفق ذلك، من الطبيعي أن يكون البطل المنتظر هنا "منقذاً" أو "مسيحاً"، وفقاً للمرشحة الرئاسية الخاسرة، باتريشا بولريش. حتى إن ميلي نفسه لم يكن مقتنعاً باحتمال هزيمته، إذ تحدث عن احتمال حصول عمليات تزوير، ملمحاً لاعتراض شعبي على ذلك، في صورة مشابهة لاقتحام أنصار ترامب "كابيتول هيل" في 6 يناير/ كانون الثاني 2021، واقتحام أنصار بولسونارو المحكمة العليا والكونغرس والمقر الرئاسي في 8 يناير الماضي.

وأظهر ميلي ميلاً شديداً لمعاداة البابا الأرجنتيني فرنسيس، وشتمه في إحدى المقابلات، واصفاً إياه بأنه "يساري". ويؤشر هذا الأمر إلى أن البابا فرنسيس، المتأثر بلاهوت التحرير في أميركا الجنوبية، أصبح "عدواً" لميلي. وهو ما دفع الكاهن خوسيه ماريا دي باولا، المقرّب من البابا، إلى القول: "نشعر بالذهول... لم نر سياسياً مثل هذا من قبل"، مبدياً انزعاجه من تعهد ميلي بخفض الإنفاق الاجتماعي، وانتقاده الشديد فكرة العدالة الاجتماعية. وقال الكاهن: "حتى بولسونارو لم يقل مثل هذه الأشياء".

واستخدم ميلي منشاراً في التجمعات السياسية، كرمز لوعده بتقليص حجم الدولة ووزاراتها، كما أدلى بسلسلة من التصريحات الغريبة طوال حملته الانتخابية، بما في ذلك أنه يتواصل مع كلبه الميت من خلال وسيط روحي "الذي أخبره بالترشح للرئاسة".

Image
في أي حال يتسلم خافيير ميلي الأرجنتين؟

ومع أنه محسوب على معسكر اليمين المتطرف، لا يرى ميلي نفسه فقط هناك فحسب، بل أيضاً كـ"محارب ثقافي" مهمته "تحريك المجتمع الأرجنتيني".

"الحرب الثقافية"، مصطلح اعتاد عليه أنصار اليمين المتطرف، خصوصاً في السنوات الأخيرة، وذلك للرد على ما يصفونه "هجوماً يسارياً ماركسياً" في كل قطاعات الحياة، سواء بما يتعلق بالحريات الفردية أو السياسات الاجتماعية، التي تندرج في سياق المساواة بين الأفراد.

وسبق له أن تحدث في حوار لقناة "لا ناسيون" المحلية في أغسطس/ آب الماضي، مشيراً إلى أنه إذا أصبح رئيساً للأرجنتين، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل ستكونان أقرب حلفائه. وأضاف: "أعتبر إسرائيل حليفاً لدرجة أنني قلت سأقوم بنقل السفارة من تل أبيب إلى القدس، تماماً كما فعل الرئيس الأميركي السابق ترامب".

وصرح بأن رحلته الدولية الأولى كرئيس ستكون إلى القدس المحتلة من أجل "التعمق في دراساته للتوراة والتلمود والكتب المقدسة اليهودية الأخرى".

تقارير دولية
التحديثات الحية

أما الأهم وسط كل هذا أن ميلي العازب، يعشق كلابه، وأهمها كلبه "كونان"، الذي توفي في عام 2018، غير أن ميلي طلب استنساخ كلبه في مقابل 50 ألف دولار. وبدلاً من استنساخ كلب واحد فقط، كما جرت العادة، انتهى الأمر بأحد مختبرات ولاية تكساس الأميركية إلى استنساخ خمسة كلاب، أطلق عليهم اسم كونان، وموراي، وميلتون، وروبرت، ولوكاس على اسم الاقتصاديين الأميركيين المحافظين موراي روثبارد وميلتون فريدمان وروبرت لوكاس.

واعتبر خوان لويس غونزاليس، وهو كاتب سيرة ميلي، أن "السؤال هو ماذا سيحدث في بلد غير مستقر بالفعل مثل الأرجنتين، إذا وضعنا في السلطة شخصاً مقتنع بأنه يستطيع التحدث عن الاقتصاد مع كلابه".

وأضاف أن الأشخاص الذين دعموا ميلي أخبروه بأن "جميع رؤسائنا السابقين لم يكونوا مجانين، وانظروا ما الفائدة التي حققها لنا ذلك، بالتأكيد يجب أن نمنح ميلي فرصة".

وذكرت صحيفة "ذا غارديان" البريطانية أن معدل التضخم تجاوز 140 في المائة، والجفاف الذي استمر ثلاث سنوات أدى إلى انخفاض حاد في الإنتاج الزراعي، ويعيش اثنان من كل خمسة أشخاص في فقر، وفقدت العملة 90 في المائة من قيمتها في غضون أربع سنوات.

وتدلّ هذه الأرقام على فداحة المشكلة التي يواجهها ميلي، التي تتضمن فكرته إلغاء البيزو واستخدام الدولار بدلاً منه ودولرة الاقتصاد بالكامل.

وذهب الرئيس الأرجنتيني المنتخب أبعد من ذلك، بإعلانه أنه سيلغي المصرف المركزي للبلاد، مما يعني أن السياسة النقدية للأرجنتين سيتم وضعها في واشنطن بدلاً من بوينس أيريس. وبحسب "ذا غارديان"، فإنه على الرغم من أن بنما (74 ألف كيلومتر مربع و4.5 ملايين نسمة)، والإكوادور (284 ألف كيلومتر مربع و17.5 مليوناً) اعتمدتا هذا الطريق، فإن الأرجنتين (2.8 مليون كيلومتر مربع و46.7 مليوناً) أكبر منهما.

كما أن الأرجنتين والولايات المتحدة اقتصادان مختلفان تماماً، وبالتالي فإن السياسة النقدية الصحيحة للأخيرة قد تكون خاطئة بالنسبة للأولى.


رحلته الدولية الأولى كرئيس ستكون إلى القدس من أجل التعمق في دراساته للتوراة والتلمود

 

الأهم أيضاً، بحسب الصحيفة البريطانية، أن عملية الدولرة في حاجة إلى دولارات لتأمينها، وهو ما لا تمتلكه الأرجنتين، مع أنه من الناحية النظرية، يمكن لميلي التقدم بطلب إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض، لكن فرص النجاح لن تكون عالية.

الأرجنتين في الأساس أكبر مقترض من صندوق النقد الدولي وتدين بمبلغ 44 مليار دولار. وتحتاج الدولرة إلى إجراءات عدة، خصوصاً في إطار السيطرة على التضخم، لأن الدولرة، بحسب "ذا غارديان"، هي "طريق باتجاه واحد، ومقامرة سياسية من دون مخرج، قد تدفع الأرجنتين إلى طريق مسدود ينهار معه الاقتصاد".

محاربة التضخّم

إلا أن ميلي رأى مساء أول من أمس الاثنين، أن السيطرة على التضخّم في بلاده قد تستغرق ما بين 18 و24 شهراً. وقال في مقابلة أجرتها معه محطة "راديو كابيتال" الإذاعية إنه "إذا قمنا بتخفيض الإصدار النقدي اليوم، فإنّ هذه العملية ستستغرق ما بين 18 و24 شهراً" من أجل "إعادتها إلى أدنى المستويات الدولية".

وأكد أنه لا ينوي إلغاء الضوابط على الصرف في الحال، لأن هذا الأمر من شأنه أن يؤدّي إلى "تضخّم مفرط". وجدّد الرئيس المنتخب التأكيد على رغبته بإلغاء المصرف المركزي الأرجنتيني في نهاية المطاف ومعظم الوزارات، متّهماً المصرف المركزي بأنه "يسرق" المواطنين.

وأضاف "الدولرة ستكون الطريقة لفعل ذلك. العملة ستكون تلك التي يختارها الأرجنتينيون بحريّة. أنت أساساً تقوم بالدولرة للتخلّص من المصرف المركزي". ولم يحدّد الرئيس المنتخب موعداً لهذه "الدولرة" المرتقبة لاقتصاد البلاد.

وكان ميلي قد طرح في برنامجه الانتخابي "علاج الصدمة" لمواجهة المشكلات الاقتصادية وإعادة التوازن إلى حسابات الدولة. ويهدف برنامج الرئيس المنتخب لتقليص الإنفاق العام بنحو 15 في المائة، والمضي في عمليات خصخصة لتحقيق توازن في الميزانية ينشده صندوق النقد الدولي.

كما يقوم برنامج الرئيس المنتخب على إنهاء العمل بالدعم في مجالات النقل والطاقة، وتحرير الأسعار، وإلغاء الضرائب على الصادرات. وفي مقابلة إذاعية ثانية عبر أثير "راديو ميتر"، قال الرئيس المنتخب إنه من بين المؤسسات العامة المرشحة للخصخصة شركة النفط الوطنية "واي بي إف"، ووسائل إعلامية عمومية مثل وكالة "تيلي آم" للأنباء وقناة "بي في بي" التلفزيونية، التي قال عنها إنها أصبحت "آلة دعاية". لكن ميلي شدّد على أن الخصخصة لن تطاول قطاعي التعليم والصحة.

وعن صندوق النقد الدولي الذي منح الأرجنتين عام 2018 قرضاً بقيمة 44 مليار دولار، تعاني بوينس أيريس لسداده، قال ميلي إن فريقه "يتحاور منذ وقت طويل" مع المسؤولين في المؤسسة المالية الدولية. ولفت ميلي إلى أنه سيقوم "في الأيام المقبلة" بزيارتين خاصتين إلى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، قبل أن يتولّى منصبه في 10 ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

المساهمون